وطن بالفلفل الأحمر 1 - المقدمة والفهرس

آذار 28th, 2008 كتبها حكم البابا نشر في , وطن بالفلفل الأحمر

مقدمة الكتاب

لماذا أعتبره وطناً بالفلفل الأحمر؟

كان يمكن لي أن أسمي هذا الكتاب محاولات انتحار، لأنه التوصيف الأكثر دقة لمضمونه، فكثير من المقالات المنشورة فيه، تشبه تناول 30 قرصاً من الفاليوم دفعة واحدة، أو رمي الجسد من الطابق الثامن عشر، أو إطلاق رصاصة في الفم، في المكان الذي كتبت فيه ولأجله، في الوقت الذي قد لايرى فيها قارئ من مكان ثان أكثر من أضحوكات صغيرة على أوضاع شاذة، أما هنا حيث يولد البشر باعتبارهم بدل ضائع، ويعيشون باعتبارهم أصفاراً على الشمال، وتعامل حياتهم برخص واستهتار كما لو أنها كمشة من الليرات التركية، ويموتون على طريقة إغلاق رصيد فارغ في البنك، وتدار فيه الحياة كما لو أنها دورة تحضيرية لدخول نار جهنم، ويعتبر فيه التقرير الأمني أرقى أنواع الكتابة المعترف بها، ويشعر فيه الكاتب بالرعب لا بالفرح لوضع نقطة في نهاية مقاله، فإن مقالات هذا الكتاب أقرب إلى يوميات لهذا الوطن، منها إلى محاولات انتحار شخصية، ولذلك اخترت أن أسميه (وطن بالفلفل الأحمر).
   لم أكن أتصور في يوم من الأيام أن الكتابة ستغيّر مجرى حياتي، أو تخربط مسارها، ولطالما اعتبرت أن أقسى عذاب يمكن أن يعيشه الكاتب هو خلال عملية كتابته لمقاله، وأمرّ تحقيق معه هو ذاك الذي يجريه القارئ مع أفكاره وصياغاته، وعلى الرغم من كل نظرات الغضب التي واجهتها، والجهات الأمنية التي أجبرت على زيارتها، والتحقيقات المخابراتية التي أخضعت لها، بسبب أكثر من مقال، لم يخطر لي في لحظة من اللحظات أن أغادر بلدي، إلى أن جاء اليوم الذي أجبرتني فيه مقالتان منشورتان في هذا الكتاب عل

المزيد


وطن بالفلفل الأحمر 36 - معلق سياسي.. مفتٍ.. نائب.. داعية: الخلطة السرية لصورة محمد حبش التلفزيونية

شباط 15th, 2007 كتبها حكم البابا نشر في , وطن بالفلفل الأحمر

 
    من بين كل المحطات الفضائية العربية والأجنبية اخترت قناة mbc 2 لأثبتها على شاشة تلفزيوني ابتداءً من اليوم وحتى إشعار آخر، ومحوت باقي القنوات الفضائية من قائمة مفضلتي، ليس لأني أحب السينما فقط، وأفضل سيناريوهات الأفلام الأمريكية على سيناريوهات البيت الأبيض السياسية، وأحب حروب أمريكان هوليود أكثر حروب من أمريكان البنتاغون، وأستمتع بأداء جاك نيكلسون وروبرت دي نيرو وميريل ستريب أكثر من أداء جورج بوش وديك تشيني وكوندليزا رايس، ويسحرني إخراج أوليفر ستون وستيفن سبيلبرغ أكثر من إخراج دونالد رامسفيلد وجوني أبي زيد، ولكن لأني فقط باعتمادي لقناة mbc 2 سأضمن أني لن أشاهد على شاشة تلفزيوني كما أرجو، عضو مجلس الشعب السوري -التي أتمنى أن أضيف بعد ثلاثة أشهر من اليوم وعقب انتخابات مجلس الشعب القادمة في سورية لصفته هذه كلمة السابق- فضيلة الشيخ الدكتور محمد حبش.
   أنا فعلاً ومنذ صعود نجم الدكتور حبش في سماء الفضائيات العربية، لم أستطع أن أفهم السحر الذي يغري هذه الفضائيات باستضافته على شاشاتها، إلى الدرجة التي لايمر عليها يوم إلاّ وتظهر صورته على إحداها، إما معلقاً على خبر سوري في نشرة إخبارية، أو مستفتى في برنامج ديني حول مسألة فقهية، أو مقرّباً في ندوة تلفزيونية بين المذاهب الاسلامية، أو داعية في برنامج حواري للتفاهم بين الأديان السماوية، أو مستشاراً في حوار الحضارات الانسانية، واحتياطاً منه لأفول نجمه في أي من هذه البرامج، قام الدكتور حبش بتسجيل تلاوة تلفزيونية كاملة للقرآن الكريم (ينظر فيها إلى الكاميرا أكثر مما ينظر إلى كتاب الله بين يديه، لا لأنه يحفظه عن ظهر قلب، ولكن لأنه عاشق متيم لعدسات الكاميرا) لأنه يريد يضمن حضوره على الشاشة، أكثر من رغبته بضمان حضوره في الجنة، وأكاد أعتقد أن أسعد أوقاته هو اليوم الذي يعلن فيه عن وفاة أي زعيم عربي، لأنه عندها يستولي بمفرده على شاشة أكثر من محطة فضائية لثلاثة أيام على الأقل وطوال ساعات الارسال، ممسكاً بكتاب الله يقرؤه وعينه لاتغيب عن الكاميرا، وأظن من خلال متابعتي لصورته التلفزيونية، أنه يجري تدريبات قاسية لجفنيه كي يرفان بأقل عدد مرات ممكنة أمام الشاشة كي لايغيب بؤبؤ عينيه عن عدسة الكاميرا، ولو قدّر لأحد أن يحصي الوقت الذي يقضيه متحدثاً في نشرات الأخبار والبرامج بمختلف أنواعها، والقنوات الأرضية والفضائية التي يظهر عبرها، لواجهه سؤال صعب هو كيف يتمكن الدكتور حبش من توزيع ساعات يومه الأربع والعشرين بين شاشات الفضائيات؟ لا كيف يتمكن من توزيع هذه الساعات الأربع والعشرين في اليوم بين أكله ونومه وواجباته السياسية والدينية ومتابعة قضايا ناخبيه كبرلماني رغم أنه لايغيب عن الشاشات، ولَظَنّ أن الدكتور

المزيد


وطن بالفلفل الأحمر 35 - عشرة أخبار سيسمعها المشاهد العربي من الفضائيات اللبنانية عام 2050

شباط 7th, 2007 كتبها حكم البابا نشر في , وطن بالفلفل الأحمر

إذا لم يكن مايجري على شاشات الفضائيات اللبنانية من تراشق وسباب واتهامات هو الحرب الأهلية، فماهي الحرب الأهلية إذاً؟ وإذالم يكن مايقوم به مذيعو ومذيعات نشرات الأخبار، ومقدمو ومقدمات البرامج السياسية وضيوفهم في قناتي المستقبل والمنار هو تحريض على الفتنة المذهبية، فماهو التحريض على الفتنة المذهبية إذاً؟ وإذالم تكن مقدمات نشرات أخبار في محطات المنار والمستقبل والجديد هي البيان رقم واحد، فماهو البيان رقم واحد إذاً؟
    حالة لبنان التلفزيونية اليوم أقرب إلى صورة شبكة للكلمات المتقاطعة، فلن يقدم المحقق الدولي سيرج براميرتز تقريره النهائي في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري إلى مجلس الأمن مالم تتشكل المحكمة الدولية، ولن تتشكل المحكمة الدولية مالم يجتمع مجلس النواب اللبناني ليقرها، ولن ينعقد مجلس النواب ليقر المحكمة الدولية ما لم تستقل الحكومة اللبنانية الحالية وتتشكل حكومة وحدة وطنية، ولن تستقيل الحكومة وتتشكل حكومة وحدة وطنية مالم تجري انتخابات رئاسية، ولن تجري انتخابات رئاسية مالم تجري انتخابات نيابية مبكرة، ولن تجري انتخابات نيابية مبكرة مالم تتفق ايران وسورية والسعودية وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، ولن يتفق كل هؤلاء مالم تحل قضيتي العراق وفلسطين، ولن تحل قضيتي العراق وفلسطين إلا بهزيمة أحد طرفي الصراع وانتصار الطرف الآخر، ولأن هزيمة طرف وانتصار آخر غير متوفرة في المدى المنظور فإن أخبار الفضائيات اللبنانية ستبقى تكرر رفض الحكومة للاستقالة، ورفض المعارضة للحكومة، ورفض الحكومة والمعارضة لمبادرة عمرو موسى العربية، واختلاف الحكومة والمعارضة على صيغة المحكمة الدولية، ولذلك فإن من المرجح أن تكون الأخبار العشرة الأكثر أهمية في نشرات أخبار الفضائيات اللبنانية عام 2050 هي التالية:
   عاشراً: رئيس مجلس الوزراء اللبناني المختلف على دستورية حكومته بين الأكثرية والمعارضة يعلن مشاركة الصومال ومدغشقر وجيبوتي وتشاد وموريتانيا في مؤتمر (

المزيد


وطن بالفلفل الأحمر 34 - شجاعة الاعتذار

تشرين الثاني 18th, 2006 كتبها حكم البابا نشر في , وطن بالفلفل الأحمر

للمرة التي لا أدري كم عددها (باعتبار رقمها تجاوز كل معلوماتي الرياضية) يخرج علينا النائب السابق للرئيس السوري عبد الحليم خدام في آخر أحاديثه الصحفية -التي خصّ بها مجلة الوطن العربي- ليعيد على مسامعنا معزوفة الكف النظيف والثوب الطاهر والضمير النقي، والتي لكثرة ماسمعناه يرددها في الجرائد والمجلات والتلفزيونات والويب سايتات، أصبحنا نشعر في كل مرّة نتعثّر بحديث للنائب المنشق بأننا أمام مشهد فحص النظر في مسرحية "غربة"، الذي يحفظ فيه ممثلوه لوحة إشارات فحص النظر عن ظهر قلب، ويجيبون على أسئلة الطبيب الذي يقوم بفحص نظرهم دون النظر إليها، فصرنا نعرف في أي دقيقة من دقائق أي إطلالة تلفزيونية له سينفي علاقته بأي تهمة فساد، باعتباره كان مسؤولاً عن السياسة الخارجية فقط، ولم يستلم أي منصب له علاقة بالصفقات والرشاوى الداخلية، ونعلم في أي سطر من سطور أية مقابلة ورقية معه سيدافع عن ثروات أبنائه، باعتبارها ربحاً حلالاً زلالاً لأعمالهم التجارية خارج سورية، ونحزر بعد كم سبيس على لوحة مفاتيح الكومبيوتر في أي لقاء انترنيتي معه سيبرأ نفسه من تهم المشاركة بأي قرار حدّ من حرية السوريين، أو ساهم في إنقاص عددهم على وجه الأرض، وزاده في بطنها.
    ومنذ أن ظهر النائب التائب على شاشة قناة العربية معلناً انشقاقه قبل أحد عشر شهراً وحتى اليوم، كان همه الأساسي محو ذاكرة السوريين -الذين يعلمون أن عديل ابن أخت أي مختار في أقصى قرية سورية نائية، يتربح من منصب قريبه، ولايقتصر الأمر على صاحب المنصب فقط- وايهام مواطنيه بأنه قضى أربعين سنه من عمره متنقلاً بين كراسي السلطة السيادية، عضواً في أكثر من قيادة، ومحافظاً لأكثر من مدينة، ووزيراً في أكثر من وزارة، ونائباً لأكثر من رئيس، لاهم له إلاّ الحفاظ على نظافة كفه، مشمراً بنطاله عن ساقيه، وماشياً على رؤوس أصابعه، ليخرج في النهاية طاهر الذيل، ويستحق أن يعثر على من يذرف دمعة على طهرانيته!
    لا

المزيد


وطن بالفلفل الأحمر 33 - بحكم قانون "كل مين إيدو إلو": محسن بن بلال يحرق سفينة قناة شام الفضائية

تشرين الثاني 13th, 2006 كتبها حكم البابا نشر في , وطن بالفلفل الأحمر

برافو .. فعلها أخيراً الدكتور محسن بلال وزير الاعلام السوري، وانضم لقائمة وزراء الاعلام السوريين الذين تحسب انجازاتهم الصحافية بعدد المقالات التي شطبوها، ويشار إلى نجاحاتهم الإعلامية بعدد البرامج التي أوقفوها، ويذكر تفوقهم الإداري بعدد الصحافيين الذين منعوهم من الكتابة، أو عاقبوهم بالنقل إلى أقسام الأرشيف في صحفهم، أو نفوهم إلى مكاتب جرائدهم في المدن السورية البعيدة، ويتذكر السوريون عهودهم الوزارية مرفقةً بأسماء الصحف التي صادروا أعدادها وسحبوا تراخيصها.
      وإذا كان عدنان عمران وزير الإعلام الأسبق قد توج عهده الوزاري بسحب ترخيص "الدومري" أول جريدة خاصة تصدر في سورية بعد حوالي أربعين عاماً من احتكار حزب البعث للصحافة بمعية احتكاره للدولة والمجتمع، وإذا كان مهدي دخل الله وزير الإعلام السابق قد أبى أن يغادر الوزارة من دون تحقيق انجاز يفاخر به -على الأقل- في شيخوخته، فسحب ترخيص جريدة "المبكي"، فإن الوزير بلال (الذي يتصرف ويتحرك ويسافر ويصرّح ويدبلمس -من الدبلوماسية- منذ تسلمه الوزارة وحتى اليوم مبهوراً بقدراته كما لو أنه مخترع البيتزا ومكتشف الملوخية ومبتكر الكاتش أب) أحب أن يمايز نفسه عن أسلافه من وزراء الاعلام، فأقفل أول قناة تلفزيونية سورية خاصة في اليوم الذي كانت تستعد فيه لبث أول نشرة أخبار كإعلان رسمي عن افتتاحها.
     والانصاف يقتضي التماس الأعذار لثقة الوزير بلال الزائدة عن الحد الطبيعي بمواهبه، ولخطابه النابليوني وتصريحاته الشمشونية، فالرجل أتى إلى كرسي الوزارة من كرسي السفارة في اسبانيا، والذي لا بد لمن يجلس عليه أن يتملكه هاجس طارق بن زياد، وتسيطر عليه صرخته الشهيرة بجيشه بعد احراقه سفنه، وتشجيه شحنة الفردوس المفقود والحلم المشتهى الأندلسي، ولأن الوزير بلال لم تكن لديه سفن ليحرقها، ولا جيش ليخطب فيه بأن العدو من أمامه والبحر من خلفه، ولا فرنجة لينتصر عليهم، ولا أندلس ليفتحها، ولأن عمله في مرحلته الاسبانية لم يتجاوز في أحسن أحواله مهنة الدليل السياحي والمرشد الإعلامي ومدير العلاقات العامة، فقد حمل معه عقدة شخصية طارق بن زياد إلى وزارة الاعلام السورية، ليعيد انتاجها كاريكاتورياً مستبدلاً فرسان الجيش بأعضاء اتحاد الصحافيين وموظفي وزارة الاعلام، وساحات المعارك بشاشات التلفزيونات وصفحات الصحف، وإحراق السفن بإغلاق الفضائيات، وعبر هذا التفسير فقط يمكن فهم عظة الوزير بلال بجيش صحافييه في غزوة جريدة الثورة قبل أشهر عندما طالبهم بعدم الاستخفاف بالحرية الممنوحة لهم، واستيعاب خطبته في موقعة قناة anb بإعلانه قبل أيام أن اسرائيل تعثرت أمام حزب الله فتصوروا ماسيحل بها إذا تحرشت بسورية، وإدراك مغزى نفيه في معركة قناة الجزيرة قبل ساعات لوجود أي معتقل سياسي في سورية، واعتباره أن من يوصفون بمعتقلي رأي هم أشخاص ارتكبوا أعمالاً تخالف الدستور، وإحراقه أخيراً لقناة الشام الفضائية الخاصة! 
    بدون أخذ هاجس البطولة ووهم الفتوحات وشبح طارق بن زياد بعين الاعتبار، لايمكن لشخص يستطيع العد من الواحد إلى العشرة، أن يفهم تصريحات وقرارات الوزير بلال، وحتى لو جار هذا الشخص على نفسه واعتبر أن تصريحات الوزير بلال تدخل في خانة ملء الفراغ وإثبات الوجود والتوقيع اليومي على دفتر الدوام الوزاري، لن يعثر على مبرر فعلي واحد يمكن اعتباره سبباً لإغلاق قناة الشام الفضائية الخاصة.
  

المزيد


وطن بالفلفل الأحمر 32- جبهة الجزيرة التلفزيونية لتحرير أفغانستان والعراق وفلسطين وإعادة فتح الأندلس!

تشرين الأول 30th, 2006 كتبها حكم البابا نشر في , وطن بالفلفل الأحمر

    لو طلب من تلميذ مدرسة ابتدائية عربية منذ عشر سنوات أن يجيب على سؤال امتحاني في مادة الجغرافيا عن أهم قناة في الأرض العربية، فإني أجزم بأنه لن يتذكر قناة السويس، وسيقول بكل ثقة انها قناة الجزيرة!
    ولو سئل أي طالب عربي في امتحان مادة التربية القومية للمرحلة الاعدادية منذ عشر سنوات عن الكيان الهجين الذي زرع في قلب الوطن العربي، فأكاد أكون متيقناً انه سيذكر قناة الجزيرة وينسى اسرائيل!
    ولو كان المتنبي لايزال على قيد الحياة قبل عشر سنوات، لمنعه حياؤه من قول بيت شعره الشهير (الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم) بوجود قناة الجزيرة(!!)
    شكّل ظهور قناة الجزيرة التلفزيونية قبل عشر سنوات حدثاً استثنائياً عربياً، فقد اعتبرتها الأنظمة العربية اختراقاً للجسد العربي، وجيشّت من أجل الرد عليها إعلامياً وسياسياً ودبلوماسياً، مالم تجيشه لمواجهة اسرائيل عبر تاريخ الصراع العربي الصهيوني كله، لأنها اعتبرت أن الحرية الاعلامية للجزيرة أخطر على عروشها وكراسيها من جيش الدفاع الاسرائيلي وقوات المارينز الأمريكية والحرس الثوري الايراني مجتمعين، وكانت المهمة الوحيدة لأي سفير عربي يرسل إلى قطر لتمثيل دولته، هي الجلوس أمام شاشة التلفزيون لمراقبة قناة الجزيرة، وكتابة التقارير ببرامجها إلى دولته، والشكاوي على هذه البرامج إلى وزارة الخارجية القطرية وإدارة قناة الجزيرة، إلى الحد الذي كان يمكن فيه استبدال اسم أي سفارة عربية في قطر بالمكتب المصري أو السوري أو التونسي أو المغربي للشكاوى على قناة الجزيرة، وكان التوجيهات الوحيدة التي يزود بهما السفراء العرب قبل سفرهم إلى الدوحة من قبل وزارات خارجيتهم، ليس تطوير العلاقات الدبلوماسية، أو تحسين التبادل التجاري، أو إغراء رؤوس الأموال القطرية للاستثمار في بلدانهم، وإنما الحرص والتأكد من عدم وجود ريمونت كونترول لتبديل القنوات التلفزيونية في مبنى السفارة أو منزل السفير، قد يغريهم بالانتقال لمشاهدة قناة أخرى غير الجزيرة، فينشغلون عن مهماتهم التي أرسلو لأجلها، وجهوزية حقائب سفرهم استعداداً لسحبهم عقب إذاعة أي خبر أو بعد عرض أي برنامج، إلى الحد الذي يجعل أي سفير عربي يجيب كل صباح على تساؤل زوجته التقليدي عن نوع الطعام الذي يفضل تناوله على الغداء، بـأنه لايستطيع أن يجزم ماإذا كان سيتناول غداؤه في منزله في الدوحة، أم في الطائرة التي ستعيده إلى عاصمة بلده مسحوباً من قبل وزارة خارجيته، فذلك متوقف على أخبار وبرامج قناة الجزيرة، وكان مقدمو برامجها أمثال فيصل القاسم أو أحمد منصور أو سامي حداد مؤثرين في العلاقات الدبلوماسية العربية أكثر من عمرو موسى أمين عام جامعة الدول العربية، وكل وزراء الخارجية العرب مجتمعين.
   وعلى عكس حالة التشنج التي كانت قناة الجزيرة سبباً في جعل الحكام العرب يعيشون على أعصابهم قبل كل نشرة أخبار تبثها، أو برنامج تقدمه، كان المواطنون العرب ينظرون إلى قناة الجزيرة باعتبارها فرع مخابرات للتحقيق مع حكامهم والتشهير بهم أمام ثلاثمائة مليون عربي وعلى الهواء مباشرة، وكان أي مواطن عربي يتعرض لقهر سلطوي، أو لإذلال حكومي يذهب من فوره إلى جهاز تلفزيونه ليشاهد قناة الجزيرة التي تنتقم لكرامته المهدورة على مدار الساعة، فتعرض عملاً وثائقياً عن السجون في بلده، أو تقدم برنامجاً عن استبداد سلطته، أ

المزيد


وطن بالفلفل الأحمر 31 - سيران إرهابي إلى السفارة الأمريكية: استخدام الري بالتنقيط إعلامياً

أيلول 18th, 2006 كتبها حكم البابا نشر في , وطن بالفلفل الأحمر

        أظن -والله أعلم- بأن إرهابيي دمشق التلفزيونيين الذين قاموا بالهجوم على مبنى السفارة الأمريكية فيها يعتمدون المذهب الارتجالي في الإرهاب، فعلى عكس التخطيط والتنظيم المثيرين للدهشة الذي تميزت بهما عملية تفجير برجي التجارة العالمي في نيويورك، من حيث اختيار الهدف، واعتماد الأسلوب والسلاح المناسب للهجوم عليه، ودقة وسرية تنظيم العناصر التي نفذت العملية، تبدو عملية الخلية التلفزيونية الارهابية ضد السفارة الأمريكية في دمشق ارتجالية وعشوائية، حتى لتظن أن عناصرها كانوا في سيارتيهما متجهين لتنفيذ سيران سلمي في بلودان أو الزبداني، والجلوس على ضفة بردى وطبخ المجدرة وشرب الشاي، ثم خطر لهم في آخر لحظة أن يغيروا مكان سيرانهم، فيذهبوا إلى الجنة بدلاً من أحد مصايف دمشق، ويجلسوا على ضفة نهر الكوثر بدلاً من ضفة بردى، ولأنهم كما أظن كانوا بالصدفة يمرون قرب السفارة الأمريكية بدمشق، فقد اختاروها وبشكل ارتجالي هدفاً، ولأنهم أساساً كانوا ذاهبين في سيران، ولم يكونوا يقصدون القيام بعملية إرهابية، فقد كان عتادتهم الذي استخدموه في عمليتهم الارتجالية من النوع الذي ينتمي إلى معدات المطبخ من قناني غاز ومدقات ثوم وأجران كبه وغيرها، أكثر مما ينتمي إلى السلاح الحقيقي، ولأن هذه الخلية الارهابية قررت ونفذت عمليتها الارهابية بشكل ارتجالي لم يصدر أي تنظيم إرهابي عالمي أو إقليمي أو عربي أو محلي بياناً يتبنى العملية، ولأنه مامن تنظيم إرهابي لديه فائض في العناصر بحيث يرسل أربعة عناصر وليس عنصرين في سيارتين مفخختين للقيام بعملية إرهابية، ففكرة السيران الذي تحول ارتجالياً إلى عملية إرهابية، أقرب إلى المنطق وأدعى للتصديق من فكرة العملية الارهابية المنظمة والمخطط لها مسبقاً، ولأن أعضاء الخلية الارهابية كما أظن من محبي متابعة أعمال المخرج السوري مأمون البني، فقد قاموا بتنفيذ عمليتهم مستلهمين أسلوبه الاخراجي لمشاهد المعارك في مسلسله "سيف بن ذي يزن"، من حيث رداءة الأداء وبدائية الاخراج وفقر الخيال وبخل الانتاج وأخطاء الميزانسين، وهو الشيء الأكثر وضوحاً في هذه العملية الارهابية!
         فكل التفاصيل الأخرى للعملية وللخلية التي قامت بها وللتنظيم الذي تتبع له وللهدف الحقيقي منها، تحتمل التأكيد أو النفي كما ظهر في كل كلام المحللين السياسيين الذين لعبوا لعبة الطرة والنقش (الملك والكتابة بلهجة إخواننا المصريين) لتفسير العملية على كل شاشات القنوات الفضائية العربية، وخاصة بعد مقتل ثلاثة من الأربعة الذين قاموا بتنفيذ العملية أثناء حدوثها، ووفاة الرابع في المشفى قبل أن يدلي بأي اعتراف، ولذلك استخدمت كلمات مثل أظن والله أعلم في اجتهادي لتركيب سيناريو افتراضي للعملية الارهابية ، والشخص الوحيد الذي استطاع الاطلاع على محاضر التحقيق التي أجراها أنكر ونكير مع قتلى العملية الارهابية الثلاثة أثناء حدوثها هو المحلل السياسي السوري أيمن عبد النور، وبفضل إطلاعه على اعترافات الارهابيين الثلاثة أمام أنكر ونكير، أعلن من على شاشة قناة الجزيرة -والعملية لاتزال مستمرة- بأن الارهابيين ينتمون إلى تنظيم إرهابي تكفيري، ولاخفاء مصادر معلوماته التي تنتمي إلى العالم الآخر برر معرفته بهوية الارهابيين الثلاثة بصدفة تواجده في منطقة قريبة من العملية، وسماعه لهتافات الارهابيين الدينية، كما لو أنهم كانوا يقومون بمظاهرة أمام السفارة الأمريكية وليس بعملية إرهابية تستهدفها، ولا أريد هنا أن أحاججه لأثبت بأن أنكر ونكير سربا له محاضر تحقيقاتهما السرية مع القتلى الثلاثة، وأطلاعاه على اعترافاتهم بشكل شخصي دوناً عن كل البشر، فأسأله عن وصفه للمجموعة الارهابية بالتكفيرية وليس بالأصولية مثلاً، وأسأله أيضاً لماذا قرر بأن المجموعة دينية (خاصة وأن سيرة اللحى الطويلة أو الجلاليب القصيرة لم ترد في أي شهادة عن العملية، كما لم يذكر أحد بأن سيارتي الارهابيين كانتا محجبتين باعتبار كل واحدة منهما تنتهي بتاء التأنيث) وحجب بتأكيده على انتماء المجموعة الديني، شرف الهجوم على السفارة الأمريكية عن أكبر عدو للامبريالية الأمريكية في العالم، المتمثل في الحزب الشيوعي السوري البكداشي (

المزيد


وطن بالفلفل الأحمر 30 - بعد تعيين وتمديد وتجديد وانتخاب صابر فلحوط: رئيس جديد لاتحاد الصحافيين

أيلول 13th, 2006 كتبها حكم البابا نشر في , وطن بالفلفل الأحمر

     لا أتصور نفسي أدخل مقر اتحاد الصحافيين السوريين بدمشق في يوم من الأيام من دون أن أجد الدكتور صابر فلحوط خلف طاولة رئاسته، فمنذ أن وعيت على الدنيا والدكتور صابر فلحوط رئيس اتحاد الصحافيين في سورية، وعندما عملت في الصحافة السورية كان الدكتور صابر فلحوط لايزال رئيساً لاتحاد الصحافيين السوريين، وبقي الدكتور صابر فلحوط في عهود التعيين وسيناريوهات الانتخابات رئيساً لاتحاد الصحافيين، تغيّر الرؤساء وتبدلت الوزارات وظهرت وجوه جديدة في القيادات القطرية والقومية، وأقيل من أقيل وتقاعد من تقاعد ولاقى وجه ربه من لاقى، وتشتت الاتحاد السوفييتي إلى دول، واختفت المنظومة الاشتراكية، وفشلت التجربة الشيوعية، وقسم أسامة بن لادن العالم إلى ماقبل ومابعد 11 أيلول، وغزت أمريكا أفغانستان والعراق، واخترع البث الفضائي والانترنيت، وظهر مرضا الايدز والسرطان، واكتشف البشر الخريطة الجينية، وحدثت ثورات وانقلابات واكتشافات، لكن الشيء الوحيد الذي لم يتغير ولم يتزحزح من مكانه، أو تزيد شعرة شائبة في رأسه، هو رئيس اتحاد الصحافيين في سورية الدكتور صابر فلحوط، الذي بقي في مكانه دلالة على الثبات، وعلامة على أن من الممكن إيقاف الزمن، ورمزاً يختصر حالة الإعلام السوري كلها، ولذلك أعتبر ظهور رئيس جديد لاتحاد الصحافيين السوريين حدثاً ليس بالنسبة للصحافيين في سورية نفسها، بل لكل الأحياء من السوريين الذين ولدوا وعاشوا في عصر الدكتور صابر فلحوط، وسيشعرون أنهم بغياب وجهه فقدوا جزئاً من حياتهم.
     لست شامتاً بتغيير الدكتور صابر فلحوط، بل بالعكس ربما تكون عواطفي أقرب إلى الأسى لغيابه عن رئاسة اتحاد صحافيي سورية، ربما لأن السجناء يتعودون بمرور الوقت على وجود سجانيهم، ويتآلفون معهم إلى الحد الذين يشعرون فيه بفقدانهم عند غيابهم، وقد أكون ظالماً في توصيف العلاقة بين الصحافيين السوريين والدكتور صابر فلحوط حين أشبهها بعلاقة السجين والسجّان، لكن حتى لو مارس الدكتور فلحوط دور السجان خلال رئاسته لاتحاد الصحفيين لتاريخ يتجاوز أكثر من نصف سنوات عمره، فقد كان سجاناً لطيفاً، من الذين يعرفون أنهم مهما فعلوا لن يحصلوا على العنب أو يقتلوا الناطور في موضوع الإعلام السوري، ولمعرفته بأنه مجرد برغي صغير في آلة كبيرة، فقد قرر منذ البداية أن يحيط أسنانه بالصدأ حتى يصعب اقتلاعه من مكانه سواء بالمفكات العادية أو الكهربائية، وبهذه الطريقة حافظ على وجوده عالقاً في خشبة الاعلام السوري واتحاد صحافييه، ولأنه كان يعرف أنه مرؤوس أي رجل يجلس على كرسي وزير الإعلام، فقد كان يخرج مع الست ويدخل مع الجارية، ولديه عدة جمل يزاود بها على المزاودين حين يستضاف على شاشات الفضائيات، ويعيد ترتيبها في المقالات التي يكتبها على طريقة شهادات حسن السلوك، ويستخدم صوته الجهوري ومهارته الخطابية ليقنع سامعيه في المؤتمرات بجدتها وعدم تكرارها.
     أما في علاقته بالصحافيين ومشاكلهم فطالما طبق المثل الشعبي القائل (لاتشكيلي لابكيلك)، فحين كان الصحافي يأتيه حاملاً مظلمته، يجد أمامه صدراً حنوناً يضمه إليه، ويداً حانيةً تربت على كتفه، ورئيس اتحاد صحفيين مظلوم أكثر منه ينوح لنواحه ويبكي لبكائه، ويسرّ له بهمومه، إلى الدرجة التي تشعر الصحافي في نهاية الجلسة بأن عليه أن ينهض ليضم رئيس اتحاده إل

المزيد


وطن بالفلفل الأحمر 29 - جلسة تعذيب بالفضائية الليبية الاشتراكية العظمى

أيلول 11th, 2006 كتبها حكم البابا نشر في , وطن بالفلفل الأحمر

     لا أظن أن الفضائية الليبية تتبع إدارياً وبرامجياً لهيئة إعلامية مثل وزارة الإعلام الكبرى أو مديرية التلفزيون العظمى في الجماهيرية الليبية الاشتراكية العظمى، وأكاد أكون على يقين بأن الهيئة المشرفة عليها، وتضع خطتها البرامجية هي إدارة المخابرات اللامحدودة أو مديرية السجون اللامتناهية، وأن المؤهلات المطلوبة للمشرفين الفنيين على البرامج ليست دبلوم في الإعلام، أو ماجستير في الدراما، بل دورات متقدمة في فنون التعذيب، وشهادات خبرة في اللسع بالكهرباء أو نزع الأظافر، وأن البرامج التي تقدم على شاشة الفضائية الليبية تسمى في كواليس القناة وبين صانعيها جلسات تعذيب، وأن المشاهد لبرامجها يتداول اسمه على ألسنتهم باعتباره متهماً أو مشبوهاً أو موقوفاً، في حين يسمى في قواميس منظمات مناهضة التعذيب وحقوق الانسان ضحيةً، ولذلك كلّه فالكتابة عن الفضائية الليبية أو أي من برامجها يجب أن تأخذ صيغة الشكوى لاصيغة المقال، وتقدم إلى منظمات هيومان رايتس أو العفو أو العدل الدولية، لا إلى جريدة أو مجلة، ومن حق كل مشاهد قاده حظه العاثر، أو سوء تقديره وتصرفه، أو غضب والديه عليه وعلى ذريته للضغط على رقم الفضائية الليبية في جهاز التحكم بين يديه، أن يحصل على تعويض عن الضرر الذي تعرض له أسوةً بضحايا طائرة لوكربي أو مقهى لابيل!
     أظن أن التعذيب الذي ألحقته بي ساعتي المشاهدة للعمل نصف الوثائقي وربع الدرامي وثلث التاريخي وخمس الفنتازي "رحلة 4000 يوم من العمل السري" الذي يروي قصة التحضير للثورة الليبية، أضنى بكثير من العذاب الذي تعرض له قائد هذه الثورة في الأربعة آلاف يوم التي ناضل فيها بمفرده -كما يظهر ويؤكد الفيلم- لدحر الاستعمار الايطالي، والانقلاب على الملك السنوسي، مما ذكرني بالممثل السوري أيمن زيدان في المسلسلات التي تناولت فترة الانتداب الفرنسي لسورية، والتي قتل فيها بمفرده من الجنود الفرنسيين أكثر من عدد سكان فرنسا كلها، ولفرط بطولته على شاشات التلفزيون توهم بعض تلامذة المدارس السوريين أن أيمن زيدان أهم الثوار السوريين ضد الانتداب الفرنسي، مما جعلهم يرسبون في امتحاناتهم التاريخ حين ذكروا اسمه جواباً على سؤال عن أشهر ثوار سورية، ويبدو أن صناع فيلم "رحلة 4000 يوم من العمل السري" وجدوا أن ثورية أيمن زيدان أقرب إلى ثورتهم وقائدها من أرنستو تشي غيفارا وسيمون دي بوليفار وروبسبير مجتمعين، فاستلهموها لتصوير تجربة قائد ثورتهم، الذي رغم أنه قطع الفيافي واجتمع برجال القبائل وصيادي الأسماك، لم يكن يسانده في التحضير للثورة سوى سيارة الفوكس فاغن القديمة موديل السلحفاة، والتي لولا وجودها -كما يظهر من دورها الفاعل في الثورة بشهادة الفيلم- ماكانت لتقوم هذه الثورة أساساً، باعتبارها تحملت العببء الأكبر من أعباء الثورة في صبرها على سائقها كل فترة الثورة والفيلم، و

المزيد


وطن بالفلفل الأحمر 28 - حين يتحول فيصل القاسم من إعلامي إلى مناضل سياسي ويفتح جبهة على حسابه الخاص

أغسطس 8th, 2006 كتبها حكم البابا نشر في , وطن بالفلفل الأحمر

 
       كل الظروف العربية منذ الاحتلال الأمريكي للعراق، وحتى الهجوم الاسرائيلي على لبنان تخدم الدكتور فيصل القاسم، ولولا خشيتي من أن اتهم بأني من أنصار نظرية المؤامرة لقلت أن الراعي الحقيقي لبرنامج "الاتجاه المعاكس" هو جيش الولايات المتحدة الأمريكية، مناصفة مع جيش الدفاع الاسرائيلي، كونهما يمدان البرنامج بالمواضيع الحارة والحساسة بالتناوب كل أسبوع، بحيث أصبح المشاهد يعرف موضوع الحلقة القادمة من البرنامج قبل ظهور إعلانها، بتذكره لموضوع الحلقة السابقة، فإذا كانت الماضية عن العراق، فلا بد أن تكون التالية عن فلسطين، والعكس بالعكس، ولو قرر هذان الجيشان ايقاف برنامج "الاتجاه المعاكس" فباستطاعتهما فعل ذلك ببساطة متناهية، ولن يكونا بحاجة لأي ضغط على حكومة قطر، ولن يلزمهما وضع خطط عسكرية لقصف قناة الجزيرة، وكل ماعليهما فعله هو إيقاف أعمالهما العدوانية ليتوقف البرنامج فوراً.
     ورغبة مني في عدم الوقوع في شرك المبالغة، لن أقول بأن المستفيد الأكبر من احتلال العراق هو الدكتور فيصل القاسم، بعد أن تحول ثلاثة أرباع ضيوفه في البرنامج إلى عراقيين، بحيث لم يبق عراقي مسيحي أو يزيدي أو صابئي أو مسلم، سني أو شيعي، كردي أو عربي أو تركماني، إلاّ وظهر في "الاتجاه المعاكس"، وأستغرب فعلاً من أن الدكتور القاسم لم يدحض الشائعات التي ترددت حول علاقة ما ربطته بنظام الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين، ولم يدافع عن نفسه -ولديه مثل هذا الدليل الذي لا يرد- ويخرج ليعلن على الملأ بأنه المستفيد الأول في الدنيا من انهيار نظام صدام حسين، لكني أظن أن الدكتور القاسم كان يتمنى بالتأكيد لو أن الأمريكان احتلوا مصر بدلاً من العراق، لأنه بوجود سبعين مليون نسمه لن يضطر حينها لإعادة استضافة نفس الضيوف عدة مرات، كما يفعل مع العراقيين الذين مرّوا جميعاً في برنامجه.
     يعرف الدكتور فيصل القاسم بلا شك أن برنامجه مشاهد على نطاق واسع، لكن أسباب مشاهدته في رأيي تختلف عن أسباب مشاهدته من وجهة نظره بالتأكيد، فأنا أظن أن السبب الرئيسي الذي يدفع المشاهدين العرب لمتابعة التكرار الممل لبعض الموضوعات، لايعود لكون هؤلاء المشاهدين لم يفهموها بسبب تعالي الصراخ والردح وشد الشعر وتشريط الثياب بين ضيفي البرنامج، ولذلك يقبلون على مشاهدة الحلقات التالية عسى أن يفهموا شيئاً مما يحدث في المشاجرة العلنية التي تعقد مساء كل ثلاثاء على شاشة قناة الجزيرة -كما قد يظن الدكتور القاسم-، بل لأن مشاهدة "الاتجاه المعاكس" تكاد تشبه طقس التطهر في التراجيديا الاغريقية، فالعرب الذين لم يعثروا منذ ثلاثين سنه على قائد يستطيع أن يحقق لهم الانتصارات، أو يعيد لهم ولو سنتيمتراً واحداً من أراضيهم المحتله، أو يمنحهم حق التفكير في الحرية حتى وهم تحت الدش دون خوف، وجدوا في الواقع التلفزيوني الافتراضي بديلاً مناسباً ومريحاً يعوضهم عن خيبتهم السوداء في واقعهم الحقيقي، ويمكنهم من النشوة بحلم الانتصارات، ويعدهم بأمل عودة كل الأراضي العربية المحتلة وصولاً إلى الأندلس، ويمن عليهم بساعة نعيم من الحرية التلفزيونية.
       ومن هنا تأتي شعبية البرنامج الذي يدغدع عواطف شعب يائس بائس غارق في الذل والمهانة والطغيان، حيث يجد فيه المشاهد العربي فرصة مريحة -خاصة وأنه يصله ديليفري إلى المنزل مجاناً- توفر عليه تكبد عناء الخروج في الطقس الحار أو البارد للمشاركة بأي مظاهرة حماسية عربية، سواء كانت للتضامن مع فلسطين أو لنصرة العراق، أو لشجب الهمجية الاسرائيلية أو للتنديد بالسياس

المزيد


التالي