سياحة أمنية في سورية: السوري نبيل فياض يصدر بياناً حول اعتقاله
حـكـم الـبـابـا/ جريدة تشرين السورية 23/11/2004
لو كتبت فحوى ماجاء في بيان السيد نبيل فياض _ الذي أصدره بعد اعتقاله لمدة شهر في أحد فروع الأمن السورية_ حول التعامل المغالي في انسانيته معه في لوحة كوميدية لاتهمت بالمبالغة وموت الاحساس لدي والسخرية من الألم الانساني ، لكن كل هذه الاتهامات لم تمنعني من الابتسام وأنا أقرأ البيان الذي نشر _ إمعاناً في السخرية ربما_ في الصحافة السورية التي ليس من تقاليدها نشر البيانات الشخصية ، فالسيد فياض يفصّل في المعاملة الانسانية التي تلقاها بدءاً بالسماح له بالاتصال بمن يريد ، ومروراً باحضار طبيبه الخاص ، منوهاً بأنه قضى فترة احتجازه في المشفى تحت الرعاية الطبية التي ربما فاته أن يصفها بالفائقة ، ومذكراً بأن التحقيق معه لم يتعد أسلوب المناقشة المتعاطفة معه ثم ايصاله إلى بيته ، لكن الأمر الوحيد الذي مرّ من (فلتر) السيد فياض _خلال تعداده لخدمات الخمس نجوم الأمنية التي تمتع بها_ هو طريقة اعتقاله بعد تفتيش منزله ومكان عمله التي تبدو متناقضة مع ماتلاها من إنسانية فترة الاعتقال !
ذكرني هذا البيان الذي كتب على مايبدو على قاعدة ( شر البلية مايضحك ) بمشاهد رويت لي عن معتقلين كانوا يخرجون إلى باحات سجنهم ليهتفوا بفدائهم لمن سجنهم بالروح وبالدم ، ولم ينقص السيد فياض في بيانه لتكتمل الصورة الكاريكاتورية إلا دعوة كافة الاخوة المواطنين للتمتع بهذا النوع المبتكر والمريح من السياحة الأمنية ، والآن سأدع المخيلة الدرامية جانباً لأتساءل بجد : هل هذا مايحدث حقاً ليس في حالة اعتقال مواطن ، بل في حالة مخففة هي استدعاء مواطن لمراجعة أحد فروع الأمن ، من تجربتي الشخصية أجيب : لاأظن ! فبسبب مقال عن الاعلام السوري كتبته في جريدة النهار عام 2001 ، وقلت فيه أقل مما قاله وزير الداخلية السوري الحالي اللواء غازي كنعان الذي وصف إعلام سورية بأنه لايقرأ ، قضيت مايزيد عن نصف شهر وأنا أداوم في أحد فروع الأمن يومياً من التاسعة صباحاً وحتى الثانية ظهراً ، ومن الخامسة مساءً وحتى العاشرة ليلاً ، أسمع خلالها التهديد والوعيد وأتلقى الاتهامات ويُبحث لي عن ارتباطات ، وعرفت فيها من الرعب والخوف مالم أعرفه في أي لحظة من حياتي باستثناء اللحظات المماثلة التي كنت فيها مستدعى إلى فرع أمن آخر ، وحتى لاأجد من يقول لي أن هذا الزمن مضى ، إليكم ماحدث معي قبل عدة أشهر فخلال ندوة عقدتها هيئة الاذاعة البريطانية في دمشق كنت أحد المشاركين فيها ، اعتذرت عن أخذ جريدة البعث التي كانت توزع على الحاضرين ، وخلال الاستراحة عاتبني رئيس تحريرها _الذي أصبح الآن وزيراً للاعلام _ على رميي لجريدته على الأرض ، وهو مالم أفعله ، وسألني بلهجة المهدد إن كنت أعرف باسم أي حزب تنطق هذه الجريدة ، وهل أعرف من هو هذا الحزب ، ليضيف أخيراً يأن هناك جهات أخرى ستعرف كيف تتحدث معي ، وفعلاً لم يمر أكثر من عشرة أيام حتى استدعيت إلى أحد فروع الأمن ليحقق معي بتهمة رمي جريدة البعث على الأرض ، وليعاد تذكري بأن هذه الأبنية _ التي أتحاشى أنا وغيري المرور قربها ، فإن اضطررنا للمرور نغض أبصارنا عنها خوفاً ورعباً _ بتاريخها السيء الصيت وجدت لارهابنا وخلق مرض جديد يعانيه المواطن السوري اسمه فوبيا المخابرات ، وبعد ذلك يأتي السيد نبيل فياض ليروي في بيانه مآثر عن المعاملة الفاضلة للمواطنين داخلها ، حتى ليظن قارئ البيان أن موظفيها من خريجي أرقى مدارس الاتيكيت في العالم !
ومع ذلك سألتمس للسيد نبيل فياض العذر لأن الداخل إلى المكان الذي كان فيه مفقود والخارج مولود كما يقول السوريون في العادة ، وقد أجد نفسي مضطراً في يوم من الأيام لكتابة مثل بيانه ، وأتمنى _فيما لو حدث ذلك_ على قرائه أن لايصدقوني !
نص بيان نبيل فياض
في30/9/2004، جاء إلى مكان عملي مجموعة من الأشخاص الأمنيين، وقاموا بتفتيش مكان عملي والمنزل، بعد ذلك، اقتادوني إلى المركز الأمني وطُرحت عليّ مجموعة أسئلة حول "التجمع الليبرالي" ومقالات كتبتها في جريدة "السياسة الكويتية" عن الوضع الداخلي في سورية.
سُمح لي بالاتصال بمن أشاء، ولما شعرت بضيقٍ صحي طلبتُ طبيبي الدكتور طلال فارس فجاؤوا به على الفور، لكن صحتي في نفس اليوم لم تتحسن وازدادت سوءاً في اليوم التالي، فجاؤوا بطبيب من مشفى تابع لوزارة الداخلية، وبعد فحصي طلب نقلي على عجل إلى المشفى. وتحول رجال الأمن عندها من وضعية المحققين في بعض القضايا إلى وضعية المتلهفين جدياً للحفاظ على صحتي وإحاطتي بكافة أصناف الرعاية.
ظللت حتى 13/10/2004 غائباً عن الوعي تقريباً، وأعيش على "السيروم" فقط. تحسنت بعدها قليلاً ثم انتكس وضعي الصحي مجدداً يوم 19/10/.
في يوم 24/10/ بدأت صحتي بالاسترداد زارني أحد الضباط وقال لي أنني قريباً سوف أخرج إلى الحرية خارج هذا المشفى. يوم 31/10/ جاؤوني بثياب والتقيت اثنين من كبار المسؤولين الأمنيين اللذين أبدوا كافة أنواع التعاطف معي ثم أوصلني أحد الضباط بسيارته إلى بيتي.
الخلاصة:
1- ثبت من نقاشاتي مع من كان حولي من الأمنيين أن هذا التعامل الأخلاقي والحضاري معي ليس حكراً عليّ بسبب وضعي الثقافي بل هو شامل للناس جميعاً، خاصة بعد مجيء الرئيس الدكتور بشار الأسد، مما أشعرني أن وجود هذا الرجل كافٍ لحمايتنا وحماية مأمولاتنا من الحريات العامة والديمقراطية الفعلية.
2- إن مسألة التجمع ضخمت أكثر مما ينبغي لغاية يمكن أن تكون شخصية من بعض الموظفين الصغار ففي السنوات الأخيرة عرفت سورية أشكال تجمعية كثيرة وكبيرة منها المرخص به ومنها غير المرخص به ومنها الديني ومنها العلماني، ومع ذلك لم نسمع باعتقال أو توقيف أي من أعضاء تجمعات كهذه، مما ينفي - في هذه الحالة- وجود توجه لدى الدولة لضرب المعارضة أو خنق الحريات العامة والخاصة، وتضخيم مسألة توقيفي (إيداعي) في المشفى كان حقاً يراد به باطل .
3- إن موقفي من رأس النظام ثابت لا يتغير وملخصه أنه: بوجود الدكتور بشار الأسد نكتب وننشر ما لم نكن نجرؤ على التفكير به قبل سنوات، وبالتالي فإن موقفي من القضايا السلبية ليس موقفاً من الدولة وإنما من السلبيات.
4- لا أريد أن تستخدم قضية (إيداعي) للنيل من سورية، لا من الداخل ولا من الخارج، لأنني لن أكون عصاة تشهر على سورية دولة وشعباً ووطناً ورئيساً، فالبلاد لا تحتمل في هذا الوقت بالذات هذا العبث وهذا الترف والمزيد من الهزات التي يراد منها تدميرها، وأنا هدفي كمفكر وناقد البناء وليس الهدم.
5- رغم كل ما حصل فلن أتوقف لحظة عن الكتابة، وعن نقد المسيئين على أعلى وأدنى المستويات وسأظل أحارب من أجل دفع قطار الديمقراطية والعلمانية والليبرالية على سكته التي وضع عليها، مؤكداً أن خلافاتنا في سورية هي على إيقاع (التسارع)، لأنني أراه حتى الآن بطيئاً.
صحفي سوري يسخر من أجهزة الأمن وينتقد وزير الإعلام
وكالة الأنباء الايطالية (آكي) 23/11/2004
في سابقة نوعية، نشرت صحيفة (تشرين) الحكومية السورية، سخرية كتبها صحفي سوري عن أجهزة الأمن السورية، وانتقاداً لوزير الإعلام السوري الجديد.
وردّ الصحفي حكم البابا في مقاله على بيان أصدره أحد المعارضين وصف به حالة اعتقاله والتحقيق معه بأنها غاية في الرقة، وتحدث عبر بيانه عن المعاملة الفاضلة للمواطنين داخل الفروع الأمنية.
وقال البابا في مقاله الصحفي "ذكرني هذا البيان بمشاهد رًويت لي عن معتقلين كانوا يخرجون إلى باحات سجنهم ليهتفوا بفدائهم لمن سجنهم بالروح وبالدم"، وأضاف "لم ينقص لتكتمل الصورة الكاريكاتورية إلا دعوة كافة المواطنين للتمتع بهذا النوع المبتكر والمريح من السياحة الأمنية".
ووصف تجربه مماثلة سابقة له في أحد الفروع الأمنية وقال "بسبب مقال عن الإعلام السوري كتبته في جريدة النهار عام 2001، وقلت فيه أقل مما قاله وزير الداخلية السوري الحالي الذي وصف إعلام سورية بأنه لايقرأ، قضيت مايزيد عن نصف شهر وأنا أداوم في أحد فروع الأمن يومياً، أسمع خلالها التهديد والوعيد وأتلقى الاتهامات ويُبحث لي عن ارتباطات، وعرفت فيها من الرعب والخوف مالم أعرفه في أي لحظة من حياتي".
وتحدّث في المقال الذي نشرته تشرين (الرسمية) عن معاتبة رئيس تحرير البعث (وزير الإعلام الحالي) له على رميه جريدة البعث على الأرض، وتلميحه بأن جهات أمنية قد لا يعجبها ما فعل، وأضاف "لم يمر أكثر من عشرة أيام حتى استدعيت إلى أحد فروع الأمن ليحقق معي بتهمة رمي جريدة البعث على الأرض".
واعتبر أخيراً أن أجهزة الأمن السورية خلقت عند المواطن السوري "مرض جديد اسمه فوبيا المخابرات".
وتتحدث الأوساط السورية عن تطور يحدث في وسائل الإعلام السورية، وعن هامش كبير من الحرية تتيحه الحكومة، خاصة بعد استلام وزير الإعلام الجديد مهدي دخل الله وزارة الإعلام، وهو ابن المؤسسات الصحفية السورية، ويعرف خفاياها وما يعانيه الصحفيين فيها.
ويعترف الوزير الجديد بوجود أزمة في الإعلام السوري تعبر عن نفسها بقلة انتشاره وضعف مصداقيته وضيق هامش الحرية وتأخره في متابعة الأحداث وعدم تغطيته للقضايا الأساسية، وهيمنة البيروقراطية عليه.
وتعمل وسائل الإعلام السورية في ظروف صعبة، فهي مملوكة للدولة (وبالتالي سيطرت عليها الحكومة) ومحكومة بقانون مطبوعات يضيق على الحريات والحوار والرأي الآخر، وتضبط عملها أنظمة إدارية قديمة لا تستطيع الاستجابة لمتطلبات العصر، وتهيمن وزارة الإعلام على هذه الوسائل إدارة وسياسات وتوجهات، فضلاً عن تدخل أجهزة الأمن في نشاطاتها واختيار المسؤولين فيها.
واعتاد الصحفيون على أن تتدخل الحكومة في عمل وسائل الإعلام، حتى أنها تحولت إلى وسائل دعاية للحكومة ومنجزاتها وآرائها ومواقفها وأهملت كلياً تقريباً الرأي الآخر ومشاكل المجتمع.
صحافي سوري يتهم وزير الإعلام بالتسبب باستدعاء الأمن له
زيـاد حـيـدر/ جريدة السفير اللبنانية 24/11/2004
اتهم الصحافي السوري حكم البابا على صفحات صحيفة (تشرين) الرسمية وزير الإعلام السوري مهدي دخل الله بالتسبب باستدعائه من قبل الفروع الأمنية.
وروى البابا انه (خلال ندوة عقدتها هيئة الاذاعة البريطانية في دمشق كنت أحد المشاركين فيها، اعتذرت عن أخذ جريدة "البعث" التي كانت توزع على الحاضرين، وخلال الاستراحة عاتبني رئيس تحريرها الذي أصبح الآن وزيراً للإعلام على رميي لجريدته على الأرض، وهو ما لم أفعله، وسألني بلهجة المهدد إن كنت أعرف باسم أي حزب تنطق هذه الجريدة، وهل أعرف من هو هذا الحزب، ليضيف أخيراً ان هناك جهات أخرى ستعرف كيف تتحدث معي، وفعلاً لم يمر أكثر من عشرة أيام حتى استدعيت إلى أحد فروع الأمن ليحقق معي بتهمة رمي جريدة "البعث" على الأرض).
وقال مصدر مسؤول في وزارة الاعلام لـ"السفير" إن نشر المقال في "تشرين"جاء بقرار من وزير الإعلام عملا بسياسة تفضل نشر النقد الموجه الى أجهزة الحكومة في وسائلها المحلية لا في وسائل الاعلام الخارجي حيث كانت وجهة الكاتب.
صحيفة سورية رسمية تنتقد الأجهزة الأمنية
دمشق ـ من جـانـبـلات شـكـاي/ جريدة الرأي العام الكويتية 24/11/2004
نشرت صحيفة «تشرين» السورية الرسمية أمس مقالا لافتا لاحد صحافييها ينتقد في شدة الاجهزة الامنية السورية، بأسلوب ساخر في رده على بيان كان نشرته صحيفة «الثورة» الرسمية قبل ايام لمعتقل سياسي امتدح المعاملة التي تلقاها خلال اعتقاله الذي استمر لاكثر من شهر على خلفية نشاطاته السياسية.
وجاءت زاوية حكم البابا التي تصدرت الصفحة الثقافية في صحيفة «تشرين» تحت عنوان عريض: «يستحق براءة اختراع لابتكاره مفهوم السياحة الأمنية السوري نبيل فياض يصدر بياناً حول اعتقاله».
وذكر حكم البابا وهو كاتب مسلسلات تلفزيوني ان «هذه الأبنية (الامنية)، التي أتحاشى أنا وغيري المرور قربها، فإن اضطررنا للمرور نغض أبصارنا عنها خوفاً ورعباً بتاريخها السيء الصيت، وجدت لارهابنا وخلق مرض جديد يعانيه المواطن السوري اسمه فوبيا المخابرات»، واضاف: «بعد ذلك يأتي السيد نبيل فياض ليروي في بيانه مآثر عن المعاملة الفاضلة للمواطنين داخلها، حتى ليظن قارئ البيان أن موظفيها من خريجي أرقى مدارس الاتيكيت في العالم».
صحيفة حكومية سورية تنشر نقداً غير مسبوق للأجهزة الأمنية
نشرة أخبار الشرق الالكترونية 24/11/2004
في تطور غير مسبوق؛ نشرت صحيفة "تشرين" الثلاثاء؛ مقالاً للكاتب "حكم البابا" يصف فيه شعور المواطنين تجاه الأجهزة الأمنية وطريقة تعاملها معهم.
وكان "البابا" يعلق على بيان للكاتب نبيل فياض، حيث تحدث عن المعاملة الحسنة التي تلقاها خلال اعتقاله مدة شهر في أحد الفروع الأمنية.
وقال البابا في مقاله: "لو كتبت فحوى ما جاء في بيان السيد نبيل فياض - الذي أصدره بعد اعتقاله لمدة شهر في أحد فروع الأمن السورية - حول التعامل المغالي في إنسانيته معه في لوحة كوميدية لاتهمت بالمبالغة وموت الإحساس لدي والسخرية من الألم الإنساني، لكن كل هذه الاتهامات لم تمنعني من الابتسام وأنا أقرأ البيان الذي نشر - إمعاناً في السخرية ربما - في الصحافة السورية التي ليس من تقاليدها نشر البيانات الشخصية. فالسيد فياض يفصّل في المعاملة الإنسانية التي تلقاها".
وربط "البابا" رواية فياض عن فترة سجنه، "بمشاهد رويت لي عن معتقلين كانوا يخرجون إلى باحات سجنهم ليهتفوا بفدائهم لمن سجنهم بالروح وبالدم، ولم ينقص السيد فياض في بيانه لتكتمل الصورة الكاريكاتورية إلا دعوة كافة الاخوة المواطنين للتمتع بهذا النوع المبتكر والمريح من السياحة الأمنية".
وتساءل الكاتب: "هل هذا ما يحدث حقاً ليس في حالة اعتقال مواطن، بل في حالة مخففة هي استدعاء مواطن لمراجعة أحد فروع الأمن". ويجيب انطلاقاً من تجربته الشخصية: "لا أظن! فبسبب مقال عن الإعلام السوري كتبته في جريدة النهار عام 2001، وقلت فيه أقل مما قاله وزير الداخلية السوري الحالي اللواء غازي كنعان الذي وصف إعلام سورية بأنه لا يقرأ، قضيت ما يزيد عن نصف شهر وأنا أداوم في أحد فروع الأمن يومياً من التاسعة صباحاً وحتى الثانية ظهراً، ومن الخامسة مساءً وحتى العاشرة ليلاً، أسمع خلالها التهديد والوعيد وأتلقى الاتهامات، ويُبحث لي عن ارتباطات، وعرفت فيها من الرعب والخوف ما لم أعرفه في أي لحظة من حياتي، باستثناء اللحظات المماثلة التي كنت فيها مستدعى إلى فرع أمن آخر".
وتابع: "وحتى لا أجد من يقول لي أن هذا الزمن مضى، إليكم ما حدث معي قبل عدة أشهر فخلال ندوة عقدتها هيئة الإذاعة البريطانية في دمشق كنت أحد المشاركين فيها، اعتذرت عن أخذ جريدة "البعث" التي كانت توزع على الحاضرين، وخلال الاستراحة عاتبني رئيس تحريرها - الذي أصبح الآن وزيراً للاعلام - على رميي لجريدته على الأرض، وهو مالم أفعله، وسألني بلهجة المهدد إن كنت أعرف باسم أي حزب تنطق هذه الجريدة، وهل أعرف من هو هذا الحزب، ليضيف أخيراً إن هناك جهات أخرى ستعرف كيف تتحدث معي. وفعلاً لم يمر أكثر من عشرة أيام حتى استدعيت إلى أحد فروع الأمن ليحقق معي بتهمة رمي جريدة البعث على الأرض، وليعاد تذكيري بأن هذه الأبنية - التي أتحاشى أنا وغيري المرور قربها، فإن اضطررنا للمرور نغض أبصارنا عنها خوفاً ورعباً - بتاريخها السيئ الصيت وجدت لإرهابنا وخلق مرض جديد يعانيه المواطن السوري اسمه فوبيا المخابرات، وبعد ذلك يأتي السيد نبيل فياض ليروي في بيانه مآثر عن المعاملة الفاضلة للمواطنين داخلها، حتى ليظن قارئ البيان أن موظفيها من خريجي أرقى مدارس الإتيكيت في العالم!".
وختم البابا مقاله بالقول: "ومع ذلك سألتمس للسيد نبيل فياض العذر لأن الداخل إلى المكان الذي كان فيه مفقود والخارج مولود كما يقول السوريون في العادة، وقد أجد نفسي مضطراً في يوم من الأيام لكتابة مثل بيانه، وأتمنى - فيما لوحدث ذلك - على قرائه أن لا يصدقوني!".
رأي أخبار الشرق
نشرة أخبار الشرق الالكترونية 24 /11/ 2004
ربما كان في نشر مقال في صحيفة رسمية يتحدث عن سلوك الأجهزة الأمنية والنظرة السلبية المختزنة في عقول المواطنين تجاهها حدثاً غير مسبوق، ويشكل تحولاً ملفتاً، إلا أن المطلوب ليس السماح بالحديث عن الممارسات وحتى انتقادها، بل إنهاء تلك الممارسات التي تركت آثاراً سلبية في نفوس المواطنين، وبنت فجوة واسعة بين المواطن وبين أجهزة يفترض أن مهمتها حفظ أمن هذا المواطن.
فالقضية هنا ليست مرتبطة بوزير الإعلام الذي تعهد بفسح المجال واسعاً أمام جميع الأقلام والكتابات، بل المشكلة تسكن في أماكن أخرى، إنها الجهات التي تحدث عنها المقال المنشور في صحيفة "تشرين" وليس عند من سمح بنشر هذا المقال.
ربما كانت سياسة الخطوات "الانفتاحية" في مجال الإعلام تتضمن جوانب إيجابية، لكن ليس من الصواب تجاهل أصل المشكلة، وابتداع حلول جزئية هنا وهناك. فلا شك في أن السماح بنشر كتابات السوريين الصحف المحلية بدلاً من نشرها في الصحف الخارجية أو عبر الانترنت، مطلب من قبل الكتاب والمثقفين في سورية، إلا أن النية الجادة في التغيير والإصلاح تتطلب تخفيف القبضة الأمنية التي يلزم أن تمر عبرها كل صغيرة وكبيرة.
إن تغيير الصورة لا يأتي عبر تجديد الغلاف الخارجي أو "العلبة"، بل إن ذلك يتطلب تغييراً حقيقياً لما في داخلها. فعندما يُسمح بنشر مقال في حين يُمنع ناشطون من المغادرة، على خلفية آرائهم؛ وفي حين يعلن وزير الإعلام عن استعداده للتعامل مع أي كتابات ناقدة للحكومة أو حتى معارضة لها، يستمر حجب المواقع الإلكترونية التي تنشر مواد لا ترضى عنها الحكومة، وفي الوقت الذي تؤكد فيه السلطة في سورية سعيها لتوسيع هامش حرية التعبير، يُعتقل أناس بتهمة نشر أخبار كاذبة أو مسيئة لسمعة البلد، فماذا يعني كل هذا؟
الواقع يؤكد أنه ما لم تكن هناك ضمانة بعدم حدوث ردة أولاً ثم التقدم بشكل مستمر، فإنه لن تكون هناك آثار تذكر بالنسبة لشعور المواطنين بأن الأمور تتغير. فقد سُمح في ما مضى لحراك سياسي أن يظهر على السطح (في ما عُرف بربيع دمشق) لكن ذلك لم يستمر طويلاً.
ومرة أخرى، إن إفساح المجال أمام الأقلام السورية التي تتناول أموراً كانت تعد من "المحرمات" في ما مضى؛ أمر إيجابي، لكن ذلك سيبقى عرضة للتراجع أو "الانقلاب" في أية لحظة، ما لم يتم تأسيس واقع جديد، يعتبر الحرية السياسية وحرية التعبير أمراً مقدساً، وهذا يحتاج إلى إزالة حاجز الخوف والرعب الذي يسيطر على المواطنين كلما ذكرت أمامهم كلمة "سياسة" أو "معارضة"، وهذا يعيدنا إلى البداية: إن أصل المشكلة خارج عن إطار وزارة الإعلام، فلنتوجه إلى حله.
الصحافة السورية تنتقد المخابرات
موقع إيلاف الالكتروني 24/11/2004
في بادرة غريبة توصف بأنها الأولى من نوعها نشرت صحيفة " تشرين " الحكومية السورية مقالا لأحد صحافييها وهو الكات












