الشاعر العربي السوري حكم البابا لـ "العواصف": الشعر مناخ حزين كما الحب

تموز 7th, 2006 كتبها حكم البابا نشر في , حوارات

حكم البابا شاعر سوري شاب، تميز بصوته الخاص في عقد الثمانينات، لكنه في مجموعته الأخيرة "سيرة العائلة" يقترب من الحكمة الناضجة، حيث تتداعى صورة الحياة الغاسقة من شرفة الذاكرة، لكأن الشاعر حكيم على كرسي هزاز جانب موقد، ينفخ غليون الوقت، عائداً إلى حنين بين الجمر.
حكم البابا عصبي المزاج، هادئ القصيدة تحاول  معه أن تقترب من لحظة صمت يشعلها في غرفته الصغيرة، لترى العالم عبر نافذة الشعر، وكأنك على موعد مع الموت الداخلي لهذا الكوكب.

ـ إلى أي مدى تلعب السيرة دوراً في كتابة القصيدة؟
ـ سيرة الشعر هي سيرة الحياة، والكتابة تعني دائماً الوقوف أمام المرآة لرسم صورة الوجه الحقيقية في زمن ما.. في مكان ما دون "رتوش" أو إضافات، الكتابة عملية بوح بمكنونات النفس دون خوف أو ادعاءات، وكل ما عدا ذلك لا يخرج عن كونه  مجرد زخارف، لا تقدم متعة الفن الحقيقية. الكتابة بالنسبة لي ـ والشعر خصوصاً ـ هي صور فوتوغرافية ألتقطها لروحي خلال مراحل العمر. وفي كل مرحلة ـ عندما أعود لأراها الآن ـ أتذكر الزمان والمكان، حالتي العاطفية، مستوى قواي العقلية في تلك الفترة. ومع التقدم في العمر يصبح الإنسان أكثر حزناً وأقل فرحاً، وتغدو البهجة مستحيلة.
كان طموحي الأول عندما كتبت أولى الحروف تحقيق مسيرة ما خارجية، ولكن مع تراكم الكوارث على الروح (والكوارث شخصية جداً جداً) تتحول إلى عذاب حقيقي. الزمن ـ إذا تعدى الإنسان مراقبة السطح فقط ـ يحول الألعاب الأولى إلى شيء أشبه بالأشغال الشاقة، ونتحول نحن إلى محكومين بالأشغال الشاقة المؤبدة.. لا شيء يحدث، لا شيء سيحدث ويغدو الحديث عن الحداثة وقصيدة النثر الخ… الذي كان شاغلاً في أيام البدايات مجرد زور وتشويه لهذا "الألم" الكبير الذي نسميه: الشعر.
الشعر عمل حزين كما هو الحب الحقيقي.. حزين لأن انتصاراته ليست إلا خسائر فظيعة، وانكساريات في الروح قد تودي بالحياة في لحظة انفتاح هوة أمام العينين..
ـ بنظرة نقدية كيف تقيم الشعر السوري حالياً؟
_أعتقد أن مسألة شعر سوري وغير سوري هي مسألة تخترع من أجل "الأكاذيب" الشعرية، وإضفاء شيء من الزينة على مظهر الشعراء البائسين والمزورين . هناك شاعر، وهناك عدد كبير من الذين يكتبون ما يسمى بـ "الشعر" ـ هل هو حقاً شعراً!؟ ـ لدينا شاعر مات اسمه محمد الماغوط.. انتهى الشاعر فيه ليبقى مجرد رجل بائس يكتب هزليات بائسة، وما هو حقيقي.. ما هو عظيم كتبه في مجموعاته الشعرية الثلاث. في الشعر "السوري" هناك نزيه أبو عفش صاحب التجربة الأكثر حضوراً وألماً، والأشد حميمية وحرارة وصدقاً والذاهب إلى الموت أيضاً.. وهناك تجارب أخرى لها ملمسها الخاص.
حالياً يبدو أن الدخول

المزيد


الشاعر السوري حكم البابا: كتب الشعر لا تباع في سورية.. والشاعر الوحيد الذي يبيع هو نزار قباني!

تموز 7th, 2006 كتبها حكم البابا نشر في , حوارات

حكم البابا شاعر معروف في سورية خلال ثماني سنوات فقط (82 ـ 1990) أصدر سبع مجموعات شعرية، قرأت منها اثنتين (سيرة العائلة، ما تبقى من كلام) ومنذ 90 لم يصدر شيئاً، كأن ثمة مشكلة تؤرقه، وتنزعه في حالة الكتابة والإبداع. والشاعر زار القاهرة مؤخراً، التقى فيها عدداً من المبدعين من أهل الأدب والسينما، (فله ولع خاص بالسينما). ودارت بيننا مناقشة أنشرها هنا، وهي تعد أول تقديم صحفي ثقافي لحكم البابا في القاهرة.
_بعد أعمالك الشعرية: عصيان 1982، مر من هنا 84، أكبر من جحيم أصغر من تنور 85، عم صباحاً أيها الشقي 85، سورة ريم 86، سيرة العائلة، 89، ما تبقى من كلام 90.
خلال ثماني سنوات أصدرت سبع مجموعات شعرية، أي أنك كنت غزير الإنتاج الشعري. وطوال السنوات الثمانية الفائتة لم تصدر شيئاً على الإطلاق هل هو قحط شعري، أم الانشغال بالصحافة والسينما والدخول في مأزق جديد تحاول الإنعتاق منه.
_أعتقد أن المسألة ليست شخصية خالصة، الشعر هو مناخ، ففي الثمانينيات كانت الحياة لا تزال أرحم، وكانت لا تزال ثمة آمال، أو بقايا أمال، وكنا لا نزال نعتقد أننا نغير شيئاً أو نساهم في التغيير، وهذا الأمر كان يولد الحماس الكافي واللازم للكتابة، والذي بدونه تبقى الكتابة مجرد ثرثرة لكن اليوم بعد الخروج من عصر الأحلام أو الأوهام ـ سمها كما تشاء ـ بهزيمة الحلم الاشتراكي ودخول العرب عصر الظلام الإسرائيلي وانعكاس ذلك كله عليك كشاعر، بحيث أنك اكتشفت نفسك ضائعاً، حائراً، لا تدري ما تفعله في زمن لا يعنيه الشعر ولا الكتابة، ومن دون إيمان ومتأكدا بأنك بلا غد، في هذه اللحظة تبدو كتابة الشعر بالنسبة لي نوعاً من اللا جدوى هل من الممكن أن تكتب شعراً وأنت تشعر بأنك كإنسان خارج التاريخ نهائياً، ربما هذا هو السبب الأساسي في التوقف عن الكتابة، الإحساس بأن العصر الأمريكي البشع همش الشعر والكتابة كلها في هذه المنطقة من العالم.
_ولكني عرفت أنك ستصدر قريباً ديواناً جديداً عنوانه "للذين غابوا" أي أن ثمة عودة وتواصلاً مع منجزك الشعري، وأعتبرها محاولة جادة منك للخروج من هذه الحالة التي سيطرت عليك في السنوات الأخيرة، خاصة أننا جميعاً كنا وما زلنا "كائنات سياسية".
_هي صرخات احتضار شخصية أكثر من كونها أملاً، انظر إلى عنوان المجموعة (للذين غابوا) والقصائد فيها مجموعة مراث لأشخاص أحياء أو أموات، ولأمكنة ولحالات هي لحظات تأخرت في نشرها طويلاً لإحساسي بعدم الجدوى، أكثر من كونها محاولة للخروج من حالة الإحباط واليأس إنها مجموعة قصائد تفتقر الفرح تصيبك بالوحشة والكآبة ،لأن انقل صورة روحي الحقيقية في زمن سيء ومكان سيء من العالم.
ولكني مع ذلك آمل، أعني أنه لا يزال لدي أمل بأن يأتي زمن نعود فيه لمناقشة الشعر والقصائد بذلك الحماس الذي كنا نتشاجر فيه على قصيدة وكأنها قضية مصيرية وفي غاية الأهمية، ذلك الزمن الذي كانت فيه القصيدة فعلاً وكأنها فسحة من الجنة، إنما بعد الخروج من هذه الدوامة التي تعيشها شعوب كثيرة غيرنا، بسبب انعدام الأمل في ظل نظام عالمي يشعرك بأنك غير ذي قيمة، ومسلح بإذاعاته وتلفزيوناته وجيوشه التي لا تسمح لصوت القصيدة أن يعلو على جبروته.
_حكم، أرجوك قل لي بصراحة، متى يحس الشاعر أن لا جدوى من كلامه، لا جدوى من وجوده، لا جدوى من العالم.
_في مثل هذا الزمن بالذات، انظر إلى العالم قبل عشر سنوات وحتى اليوم، من بقى من الشعراء الكبار في العالم؟ قلائل ربما لا يزيدون على العشرة، وهم لا يكتبون إلا قصيدة واحدة ربما في العام. من حقنا أن نسأل لماذا؟ ونقارن أيضاً بما مضى، لماذا كان الشعر مزدهراً في الخمسينيات والستينيات، وبدأ مع السبعينيات في الانحسار، سأجيبك أنا، أولا كما سبق وقلت انهيار الأمل في العالم وفقدان المستقبل، وعاشراً بعد ذلك لأن هذا السبب يستحق أن يفند إلى تسعة أسباب، أقول عاشراً انهزام صوت الشاعر أمام ميكرفونات العالم التي تصدح بالحماسة والخطب رغم الهزيمة، ومن حقه أن ينهزم ـ الشاعر ـ بل وعليه أن ينهزم إلى حين انحسار الموجة، ولا أدري متى ستنحسر.
وربما يعود الشعر إلى أهميته عقب تدمير هذه الآلة الجبارة التي تسحقنا كبشر وكشعراء وككتاب وكعاشقين أيضاً.
_هل تعتقد ـ يا حكم ـ أن حالتك هي طقس شخصي، أم أن كثيرين من شعراء جيلك يزاولون مهنة

المزيد


حوار مع رياض الـتـرك : لـن أقـــول تـعبـت ، فمـا دام فيّ روح سـأبقى أعـمل في السياسـة

تموز 7th, 2006 كتبها حكم البابا نشر في , حوارات

لـن نــكون سـلبيين فـي حـال انـفتـح الـنظـام عـلـى المجـتـمـع
عليـكم أن تنـظروا إلينـا كقافلة حـريـة تسـير لكنها لم تصـل الى غايتها بعد
ليس لـدي اعتراض على مطالبات أمريكا بتحول ديمقراطي في سورية إنما كيف تتم ؟

كلام شخصي عن الخوف من هذا الحوار
      لابد لي أن أعترف في البداية أن هذا الحوار مع المعارض السوري البارز رياض الترك أرعبني خلال اجرائه ، وخلال كتابته ، بالحجم الذي أفرحنتي موافقته على الحوار ، بسبب اعتياد الصحفيين السوريين على حوارات أقل وطأة مما ستقرؤون بعد هذه المقدمة ، وكان علي أن أختار بين أن أنشر الحوار باسم مستعار أو بدون اسم متنازلاً عما أعتبره فرصة مميزة لصحفي ، أو أنشره باسمي الصريح كمحاور للاستاذ رياض الترك رغم ماقد يترتب على ذلك من تبعات ، وقد تغلب - بعد صراع -  هاجس المهنة الصحفية على الخوف الإنساني لدي ، ثم جاءت الجملة الواردة في بيان إتحاد الصحفيين السوريين المتضامن مع مراسل قناة الجزيرة تيسير علوني والمستنكر لاعتقاله في اسبانيا بتهمة حوار أجراه والتي تقول : " ليس على الصحفي مناطق محرمة في تحركه لأداء واجبه المهني ، ورسالته الصحفية ، وإن اعتقال الصحفي بسبب القيام بواجبه إنما هو مصادرة للرأي والفكر والقلم وحرية التعبير التي كفلتها جميع المواثيق الدولية " لتعطيني ماقد يقلل من خوفي المبرر، ومايرجح أكثر هاجس المهنة لدي بنشر حوار أعتبره سبقاً بكل معنى الكلمة ، كونه يقدم رؤية نقدية للنظام والمعارضة في سورية لاتجامل طرفاً على حساب آخر وعلى لسان معارض قضى ثلث عمره في السجون.
   بعد هذه المقدمة التبريرية ، أود أن أسجل ببضعة سطور إنطباعي عن الرجل الذي حاورته عبر عدة جلسات كونت لدي ماأعتقد أنها صورة له ، فرياض الترك -كما لمسته- رجل متواضع بجد وليس مدّعي تواضع ، مهووس بفكرة الديمقراطية حتى لو أبعدته عن القيادة ، ولمست ديمقراطيته خلال حواري حين قابل أسئلتي الإتهامية والتشكيكية بكل رحابة صدر ودون أن تظهر عليه بادرة غضب أو تبرم ، خجول سلس التعامل إلاّ فيما يخص السياسة فهو عنيد وجبّار ، ولذلك تماحكنا حول عدة تعبيرات في حواره الذي دققه أكثر من مرّه ، صلب من الداخل بشكل لايمكن أن يكشفه الشكل الخارجي لرجل تجاوز السبعين ، يترك لدى ملتقيه شعوراً بالحب يغطي على شعور سابق بالاعجاب تخلقه سمعة رجل قضى سبعة عشر عاماً في زنزانة إنفرادية من أجل فكرة نبيلة غير آسف على ماضاع من سنوات عمره ، ومستعد لأن يعيدها مرةً أخرى لو اقتضت الظروف ، وكل ماأتمناه أن أكون قد وفقت في نقل هذا الانطباع الذي خلفه لدي رياض الترك إلى قارئ هذا الحوار عبر إجاباته على أسئلتي ..

الحوار
• أنت أحد رموز المعارضة السورية ، لكن إسمح لي أن اسألك هل هناك معارضة سورية في رأيك ؟
• ليس هناك من شك في أن المعارضة السورية موجودة . فكرة " المعارضة " كانت تطلق في السابق على الأحزاب أو الشخصيات التي تحمل وجهة نظر أو برنامجاً يخالف سياسات السلطة كلها أو بعضها . هذا المفهوم عن المعارضة تغير بعد استلام حزب البعث السلطة في آذار 1963 ،الذي نصب نفسه قائداً للمجتمع تحت ذريعة إجراء تحولات (ثورية) في إدارة المجتمع والدولة مستمدة من شعاره " الوحدة والحرية والاشتراكية " ، فبهذا المعنى وفي الممارسة العملية انحصر العمل السياسي بحزب البعث ، وبالتالي حرم المجتمع والأحزاب من ممارسة السياسة . وهكذا أصبح صعباً على كثير من الفئات الاجتماعية أو الشخصيات الديمقراطية والأحزاب ممارسة أي عمل سياسي من دون أن تنال جزاءها من القمع والملاحقة والسجن . هذه كانت البداية ، لكن مع تتالي الصراعات داخل قيادة حزب البعث ، وكذلك نخب العسكر القابعين خلفها وحصول تغييرات داخلها (انقلاب 23 شباط و 13 تشرين الثاني) أخذت تضيق دائرة أصحاب القرار السياسي إلى أن وصلنا إلى شخصنة السلطة بعد استلام الرئيس حافظ الاسد زمام الامور . ورغم أن الرئيس الراحل صاغ دستوراً أوجد شكلاً من المؤسسات الديمقراطية والسياسية ( مجلس الشعب – الجبهة الوطنية التقدمية – والمنظمات الشعبية والحكم المحلي ) ، إلا أنها بقيت شكلية ، بل على العكس ازداد الطابع الاستبدادي للنظام ،وازداد الجانب القمعي كما هو معروف لمعارضي نظامه ، وبالتالي ازدادت دائرة الفئات الاجتماعية والسياسية والثقافية المتضررة من تلك السياسات والممارسات .  وأنا شخصياً أعتبر أن كل هذه الفئات معارضة وإن اختلفت في أشكال التعبير عن معارضتها . ولهذا برأيي كل مظلوم هو معارض للنظام ، وقد نشأت لدينا معارضة واسعة هي معارضة المجتمع  بمعنى آخر اتسعت دائرة المعارضة فتجاوزت الاحزاب التي لجأت الى العمل السري والسري جداً.
• كان هدفي من السؤال هو الحديث عن احزاب معارضة الآن في سورية وليس عن مواطنين متضررين ؟
• دعنا نبدا بأنفسنا قبل أن نتناول الآخرين ، فحزبنا كان نتاج أزمة حدثت داخل الحزب الشيوعي السوري أواخر الستينات ، وانتهت أوائل سبعينات القرن الماضي ، وكنا – نتيجة لهذا الانقسام – الجسم الاكبر كوادر وعدداً (بصرف النظر عن الجدل الذي يمكن ان يدخل فيه الشيوعيون بين بعضهم البعض) وكانت لنا كمجموعة منذ بداية حكم الرئيس حافظ الاسد وجهة نظر معارضة ، حتى عندما كنا موحدين في الحزب عام 1970، ثم تحولنا إلى أقلية داخل اللجنة المركزية للحزب بعد انضمام ثلاثة من رفاقنا إلى خالد بكداش فيما يخص الموقف من انقلاب 1970 ، وطبعا جاء ذلك بضغط سوفييتي من أجل تأييد حكم الرئيس الاسد ، واستمر موقفنا المعارض ما بين عامي 1974و1978 حيث كنا نحاول التعبير عن وجهة نظرنا تدريجيا إلى أن عبرنا عنها بوضوح عام 1978 ،وهو العام الذي انعقد فيه المؤتمر الخامس وأصدرنا الموضوعات المعروفة التي طرحت برنامجاً للتغيير الوطني . ثم جاءت حملة الثمانينات حيث تعرض حزبنا للملاحقة وسجن عدد كبير من أعضائه وقضى بعضهم تحت التعذيب أو بسببه ، وقد أدى كل ذلك إلى تراجع الحزب وضعف أدائه ، لكننا كحزب استطعنا الصمود في مواجهة الاستبداد ، وحافظنا على وجودنا وان كانت فاعليتنا ومدى انتشارنا هي أضعف بكثير عما كانت عليه في الماضي . ويمكننا الآن أن نصف أنفسنا بأننا الهيكل العظمي أو النواة لذلك الحزب ، لكن أهمية حزبنا في رأيي ليست فقط في حفاظه على وجوده ، بينما تراجعت أحزاب أخرى وألغت نفسها أحياناً ، أو فُككت بعض الاحزاب من قبل اجهزة الأمن كرابطة العمل الشيوعي التي لم تستطع إلى اليوم لمّ نفسها . بل تأتي أهمية حزبنا أيضاً من تحالفه مع الأحزاب المعارضة الأخرى التي شكلت التجمع الوطني الديمقراطي عام 1979 الذي نالت أحزابه نصيبها أيضاً من القمع والعنف .وهناك تعبيرات سياسية لهذه الاحزاب المعارضة ، بما في ذلك مجموعة الرابطة أيضاً وإن لم يأخذوا شكلهم التنظيمي بعد ،لكن بتصوري المعارضة السياسية السورية ما زالت أدنى من أن تكون قادرة على تحقيق مهمات تغييرية الآن ، لكن هذا ليس مستحيلاً في حال حسنت هذه الأحزاب من سياساتها ، واهتمت بتقديم برامج صحيحة ، وتشجعت أكثر وحافظت على مبدئية طروحاتها دون أن تغفل المرونة اللازمة ، خصوصاً وأن السلطة السياسية تمر الآن بأزمة مزدوجة .
• إسمح لي بسؤال اعتراضي : ماهو قصدك بتعبير الأزمة المزدوجة ؟
• أزمة السلطة المزدوجة تعني أولا أزمتها مع المجتمع ، وهي حصيلة لسياساتها خلال أكثر من ثلاثين عاماً في مختلف مجالات الحياة ، ونتائجها تظهر في الهّوة العميقة بين الناس والسلطة ، وهي مستفحلة وتحتاج إلى حل ، ولاعلاقة للأمريكان بها لأنها نتاج سياسات داخلية ، وثانيا أزمة النظام السوري ومعه أزمة كل الحكام العرب بعد التدخل الأمريكي الفظ في احتلال العراق ، وتجوال شبحه في كل المنطقة .
• أستاذ رياض نعود إلى سؤالنا ، فأنت لم تجبني حتى الآن ماإذا كانت أحزاب المعارضة هي أحزاب حقيقية أم أنها مجرد مجموعة أشخاص ليس لها تأثير بالنسبة للناس من جهة ، وللسلطة السياسية من جهة اخرى ؟
• فيما يتعلق بتأثير هذه الأحزاب بالنسبة للناس يمكنني أن أوافقك بعض الموافقة ، لكن عليك أن تأخذ بعين الاعتبار أن النظام لم يسحق المعارضة فقط ، بل جعل المجتمع ينسحب من ممارسة السياسة ، هذا سبب موضوعي شمل كل الناس وأضعف المعارضة ، لكن برأيي إن أزمة التجمع الوطني الديمقراطي وأحزابه ، أو لنقل ضعف التجمع يأتي من أن سياساته ليست سياسة مكافحة كما يجب ، وأتمنى أن لا يعتبر كلامي هذا تطرفاً ، فالتجمع يحمل تردداته ، ويحمل أحياناً وجهات نظر غير دقيقة ، ولدي ملاحظات على التجمع أتحدث عنها باستمرار ، وتتلخص في أنه يحتاج إلى برنامج جدي ، فما طرحوه ليس برنامجاً ، مع أنه بخطوطه العريضة يطالب بالديمقراطية ، لكنه لا يستجيب لحاجات المجتمع والفئات المتضررة من النظام ، فهو كمشروع بحاجة إلى إعادة نظر .
• هل تريد القول أن أحزاب التجمع ترغب في وضع قدم في صف المعارضة وقدم مع السلطة ؟
• ليس بهذا المعنى ، أنت تعرف أن الأحزاب في الجبهات عادة ما يكون لها وجهات نظر مختلفة ، لكن هناك قاسم مشترك يجمعهم ، والقاسم المشترك بين أحزاب التجمع لا يساعد على جذب الناس ، فهو بحاجة إلى أن يرفع سقفه لجذب  المعارضين أو المتململين ، أو لنقل الفئات الاجتماعية المتضررة من هذا النظام لكي تنخرط فيه أو تدعمه أو تؤيده . أما لو أردت أن تأخذ المسألة كما طرحتها أنت ، قدم هنا وقدم هناك فبرأيي هذا كلام غير دقيق لا أوافق عليه . ففكرة الحفاظ على الوجود كانت المسيطرة في ظل الأسد الاب ، بمعنى أن هذه الأحزاب كان عليها القيام بتعبيرات بسيطة لكي يقال أنها موجودة من، قبيل تسجيل موقف احتجاجي في هذه المناسبة أو تلك أو طرح كلام عام قابل للتأويل ، وفيما بعد نشأ التباس حول الموقف من عهد الرئيس بشار الأسد ، يُصلح ام لا يُصلح ؟! ولعبت السلطة وأجهزتها دوراً داخل المعارضة ، وأنا كنت قلقاً من هذا اللعب داخل المعارضة فهدفه خلق ما يمكن تسميته بالمعارضة المدجنة ، ففي الظاهر يبدي هذا الإنسان أو هذا الحزب أو هذه الفئة من الناس رأياً مخالفاً لرأي السلطة ، لكن من جهة أخرى تجد العلاقات تمشي بالسر بشكل آخر احياناً ، ولدينا داخل المعارضة في رأيي البعض الذي يحلو له أن يلعب هذه اللعبة ، إما تجنباً للضربة او حلماً "بلحسة لبن " قبل غيرهم فيما لو انفتح النظام . سأعطيك مثالاً : حديث البعض عن تقارب بيننا وبين السلطة في السياسة الخارجية ، بينما نحن مختلفون في السياسة الداخلية ، أي تقارب هذا !؟ وهل نستطيع أصلاً ان نفصل بين السياسة الداخلية والخارجية للنظام ؟ وحتى لو أردنا أن نفصل ، أي سياسة خارجية نراها اليوم للنظام ، بل حتى في عهد الرئيس السابق أي سياسة خارجية كانت ؟! التدخل السوري في لبنان ؟! الصراعات بين الانظمة العربية ؟! الصراع مع اسرائيل ؟!كل السياسات الخارجية للنظام لم تخدم حتى الأهداف التي طالما كان يتحدث عنها النظام ، وإذا استثنينا حرب تشرين من حيث هي المحاولة العربية الأولى لاسترداد أراضينا ، سياسات النظام الخارجية كانت ضارة سورياً ولبنانياً وعربياً .  هناك اشكالات على الأحزاب المعارضة أن تحلها إذا كانت جادة من أجل إيجاد مخرج وطني في المرحلة الحالية يقول لا للاستبداد ويقول لا للنفوذ الامريكي القادم أو الضغوط الامريكية القادمة . والمعارضة للاسف لم تتحول حتى الآن إلى قوة ثالثة لها برنامجها الخاص لتفرض نفسها على الساحة السياسية في مواجهة الاستبداد وفي مواجهة الضغط الامريكي ايضاً.
• هل تعتبر معارضة الناس العفوية التي سبق وذكرتها متقدمة على معارضة أحزاب التجمع ؟
• تأتي أهمية معارضة الناس من كونها أكثر طهرانية هذا أولاً ، وثانياً هي تعبر بعفويتها عن معاناة يومية في أكلها وشربها وتنقلها ، قد لا يراها السياسي ، هذا المواطن المعارض هو الذي قطع كل الخيوط مع النظام ، وألغى العلاقة معه وهو ليس الأكثر طهرانية فقط ، بل الأكثر فهماً لطبيعة النظام ؟
• بأي معنى ؟
• بمعنى أن هذا النظام لا يرجى منه ، لكن المواطن غير قادر على القيام بأي فعل فيدعو الله أن يخلصه من هذا البلاء ، أو ينتظر عسى ولعل الله يفتح له باباً للفرج . أنا برأيي هذا هو حجر الزاوية في التغيير ، هذا الانسان عندما يتحرك سوف تميد الأرض تحت أقدام المتسلطين ، وسيكون للمعارضة تعبيرات أفضل للنضال ضد الاستبداد ومن أجل الديمقراطية ، وهذا المواطن المعارض لا يحركه كلام عام عن الديمقراطية .. كلام عام عن تداول السلطة .. كلام عام عن الفساد ، وإنما تحركه جملة عوامل أهمها أن يجد أن هذه السياسة مهتمة به ، تريد أن ترفع من شانه ، تزيل قلقه وخوفه ، فهو بحاجة إلى أمن وعمل ، وبحاجة لأن لايسجن إذا أبدى رأياً ، كل هذه الامور لا تتوفر لديه وإن كان يراها بعينه ، أنا برأيي هذا هو المعارض المستور .
• وما قيمتكم بالنسبة لهؤلاء الناس كاحزاب معارضة ؟
• لا أعرف .. ولا أريد أن أفصل حزبنا عن الآخرين لأننا لازلنا مقصرين في أداء دورنا كما يجب ، وبتصوري أن أهم نقطة بالنسبة لهذا المواطن المعارض في نظرته لنا هي رؤيته لعدم قدرتنا على فعل شيء ، فهو لا يعطيك ثقته لأنك أولاً غير قادر على التعبير ،وثانياً وهذه لها علاقة بمفهوم قديم لأنه يرى حتى لو استلمت أحزاب المعارضة لفعلت أرذل مما فعله النظام ، وهذا الحكم هو نتيجة لانسداد آفاق التغيير عند المواطن ، ولهذا لا يكفي أن يقول برنامج المعارضة كلاما ًمعسولاً ، بل على المعارض الذي يمثل حزباً ما أن ينتقد تجربته التي مرّ بها في زمن غير بعيد ، وكثير من سياساته الخ … لكن الذين يهتمون بالسياسة أو الفئة الاعلى من نموذج المواطن المعارض عواطفها مع المعارضة ، وأعتقد من خلال احتكاكي بأوساط شعبية كثيرة أنها تحترمنا .
• تحترمكم كأحزاب ام كأشخاص ؟
• كبشر ضحوا ،وهم يقدرون هذه التضحية .
• ألا تعتبر أن تعامل الناس معكم كأشخاص لاكأحزاب معارضة يعتبر مشكلة كبيرة ؟ كيف بإمكانكم استعادة ثقة الناس كأحزاب ؟
• المعارضة بالمستوى الذي وصلت إليه سواء كانت داخل المجتمع أو خارجه هي أقل من أن تكون لاعباً في مقابل السلطة ،أو فئات داخل السلطة تقود السياسة ، لذلك إذا أردنا أن نكون جديين في عملية التغيير السياسي ، علينا أن ندعو إلى وحدة الطيف السياسي العريض كله ، فالتجمع أو أي من أحزابه أو الحزب الشيوعي يشكل نقطة في بحر هذه المعارضة ، والطيف السياسي العريض يمكن ان يجتمع على موقف مناف للاستبداد ، وديمقراطي لإعادة بناء مؤسسات قائمة على القانون ، ولتكون معبرة عن مصالح الفئات الاجتماعية المتضررة ، والطيف السياسي ليس فقط الأحزاب بل أيضاً القوى الاجتماعية الغائبة عن لعب دورها الاجتماعي والسياسي ، خذ مثلاً :الطبقة الوسطى ، أو الإخوان المسلمين  الخ.. هناك فئات هي خارج هذه العملية ، فنتيجة امتلاك السلطة للبلد وتصرفها بإقتصاده أُجبرت فئات كثيرة من الطبقة الوسطى على التعامل مع السلطة ، فأعطيت فتات المائدة أو جزءاً صغيراً من الكعكة.
    السؤال المطروح الآن أمام المعارضة هو كيف يمكن أن نجري تغييراً دون أن يكون لنا حاملنا الاجتماعي ، ودون أن نعيد النظر بسياستنا فننقد سياستنا السابقة ، وننفتح على من كنا نخاصمهم باعتبارنا كلنا ضحايا استبداد ، خصوصاً حين نجد الآخرين أيضاً يحاولون إعادة النظر بسياساتهم وينفتحوا ، خذ مثلاً موضوع الاخوان المسلمين بصرف النظر عن الرأي السابق بهم ، في رأيي أنهم أفضل من النظام الآن ، وما عليهم سوى القيام بخطوتين صغيرتين ، نقد أنفسهم فيما يتعلق بالعنف الذي مارسه بعضهم أو فصيل منهم ، والإعتذار للشعب ولعائلاتهم وعائلات ضحاياهم، لو فعلوا ذلك مضافاً لطرحهم الديمقراطي برأيي أنهم لا يشكلون فقط خطوة للمساهمة في حياة البلد السياسية كمعارضين وإنما بإمكانهم أيضاً لعب دور هام في هذا الطيف السياسي العريض ، فهم أفضل من النظام الذي لا يعترف بجرائمه التي ارتكبت ، لا يعترف بالمفقودين ولا بوجود مساجين . وحدة الطيف السياسي هو أمر في غاية الأهمية ، شرط أن لا يشمل فقط سياسات أحزاب أو بقايا أحزاب، وإنما أن يهتم بالمجتمع وممثلي المجتمع ويهتم بمختلف مجالات الحياة الثقافية والنقابية وممثليها الفعليين .
• وهل برأيك توحيد الطيف السياسي العريض عملية سهلة ؟
• الوضع معقد في الظرف السياسي الحالي فأنا أخشى تحت شعارات قومية الآن وإذا زادت الضغوط الامريكية أن أرى البعض يلتحق بالنظام ، ويقول نريد الدفاع عن الوطن وينسى كل جرائم النظام ، وينسى أن النظام هو من أتى بالدب الأمريكي إلى كرمنا مثلما حدث في العراق ، لذلك على هذا الطيف السياسي العريض أن يتحول إلى قوة سياسية اجتماعية ، وأن يطرح برنامج الحد الأدنى الذي يمكن أن يكون موحداً لهذه القوى ، وأن يكون لاعباً يتابع نضاله ضد الاستبداد ، وضد احتمالات ما يمكن أن ينشأ من مضاعفات نتيجة التدخل الامريكي .وأرجو أن لاتفهمني بشكل خاطئ ، ففي حال انفتح النظام على المجتمع لن نكون سلبيين ، وإنما أنا أنطلق من قاعدة أن هذا النظام لم ينفتح حتى الآن . لكن في حال نشأت فعلاً سياسات جدية واتخذت تدابير تعيد الثقة للشعب بأن النظام من الممكن أن يتغير فعلاً ، وقد تحدثت عن مثل هذه التدابير التي يجب أن يفعلها النظام قبل أن يقول لك "مرحباً"  في محاضرتي في منتدى الأتاسي عام 2001 ، وبعد ذلك إذا أعيدت الثقة ورأينا طاقما غير ملوث لا بالدم ولا بالمال الحرام ، وأحسسنا بأن هناك تغييراً فعلياً ، إذا حدثت مثل هذه الخطوات، من الممكن أن ننفتح على النظام ، أما الانفتاح الكلامي الذي مضى عليه ثلاث سنوات من الوعود والحديث عن الاصلاح فهذه برأيي "طبخة بحص ".
   أنا لاأريد التعلق بالأحلام ، وأسأل ما الذي يجري على أرض الواقع ، لا شيء يحدث !! هناك مثل لدى التجار  القدامى قبل أن تتأسس المصارف حين يتبايعون يقولون " قبيض بقبيض " فنحن لا نثق بوعود السلطة وعلينا جميعاً أن نستعير مع السلطة لغة هؤلاء التي تقول " قبيض بقبيض ". وفي الوضع الذي نحن فيه الآن دور السياسي المعارض هو أدنى من أن يستطيع إحداث تغيير ، وهذا تحدثت عنه في الماضي، ولا يزال يصلح الكلام فيه حول ما يسمى بتوازن الضعف ، ولا تزال المعادلة قائمة .
• تكلمت عن قيمة أحزاب المعارضة بالنسبة لحاملها الاجتماعي المواطن السوري ، لكن ما هي قيمتكم بالنسبة للسلطة ؟ هل تحسب لكم حساباً ؟ هل تعتبركم خطراً عليها ؟ هل تخافكم ؟
• لاأعرف ما إذا كان يحق لي أن أتحدث باسم الجميع ، فأنا لست ناطقاً باسمهم ، لكن من الممكن أن أتحدث عن حزبي ، أو أبدي رأياً عاماً في الموضوع .. النظام بني كمؤسسة قائمة على قوة القمع ، لا على مؤسسة الوزارة أو مجلس الشعب ولا على غيرها . العمود الفقري للنظام هو الجهاز القمعي ، واعتماد منطق القوة الذي ساد والذي مورس بمختلف أشكال الإرهاب ، والذي نتج عنه ضحايا كثيرون ، النماذج التي حكمت ، والعقلية التي سادت تخلق شعوراً لدى الناس أنه لا يوجد أحد يخيفها وتستصغر الجميع ، لكنها في داخلها تخاف الناس كثيراً وتخاف النقد العلني وتخاف تجمعات الناس ولو في منتدى صغير وتجربة السنوات الثلاث من هذه الزاوية تؤكد رأيي . وقد سمعت من أحدهم أن بعض المسؤلين حين طالبوا الرئيس بالتصدي للتحرك الديمقراطي عام 2001 قالوا له : اليوم بامكانك أن تقمعهم إذا تكلمت أما غداً فقد نحتاج لإسكاتهم إلى إنزال الدبابات . الوضع الآن تغير ، فبعد احتلال العراق وظهور منطق الدولة الأعظم التي يجول شبحها في المنطقة ، والذي أصبح يخيف الجميع ويخيف السلطة أحدث ارتباكاً ، النظام برأيي بحاجة لناس – حتى لو لم يكن لهم تأثير كبير – يسيرون في فلكه ، أو على الأقل يشتريهم بالريق الحلو كما يقولون ، أو يحيّدهم بشكل يجعل هؤلاء الناس لا يعملون ضده على الأقل . الخوف الأكبر الآن ليس منا ، إنما من هذا الشبح الذي يجول في المنطقة اليوم . لكن الحل الصحيح لمواجهة هذا الشبح هو الانفراج والانفتاح على الناس وإجراء تغيير ديمقراطي وإحداث تدابير ثقة .
• لكن التيار الديني المعارض يبدو أنه مخيف أيضاً !!
• قضية التيار الديني يجب أن ينظر إليها بشيء من التفصيل ، فهناك تيارات دينية الآن غير مسيسة لديها اتفاق جنتلمان مع السلطة ، وهو اتفاق غير مكتوب تقول السلطة من خلاله لهذه التيارات خذوا راحتكم ، اعملوا كما تريدون لكن إياكم أن تشتغلوا بالسياسة ، وهذه التيارات قبلت بهذه الصيغة ، لكن هل هم ضمناً مع النظام ؟ جزء منهم وأقصد أؤلئك الذين يعملون في قطاعات مختلفة يصبحون ، لا اريد أن أقول بالمعنى الوضيع للكلمة عملاء ، إنما يقدمون شيئاً مقابل شيء يحصلون عليه ، فكم من شخصيات أُتي بها ولُمعت صورتها لخمس أو عشر سنين وأسندت لها مناصب ، ثم مضت في طريقها . لكن هناك التيار الديني المسيس ، فعندما نتحدث نحن عن الديمقراطية يقولون غداً يأتي الاخوان ، والقوى المتدينة هي التي ستستلم السلطة .. هذا نوع من التخويف ، فالمجتمع عندما ينفتح ديمقراطياً ، ويكون النشاط السياسي مكشوفاً أمام الجميع لا يترك مجالاً للخوف ، لأن الشعب ليس جاهلاً ، فهو يعرف صالحه ، ويعرف من هي القوى التي ستعبر عنه ، وحتى لومالت الكفة لهذه الفئة فستميل لمرحلة قليلة ، وسيكون السبب هو النظام نفسه ، لأنه حرّم على القوى الديمقراطية أي عمل سياسي ، وفتح المجال أمام القوى التي لا أريد أن أصفها كلها بالظلامية ، لكن بعضها ظلامي .
ففي ظل حكم الرئيس الراحل وفي ظل سطوة بعض رجال الدين ، بعضهم وليس كلهم طبعاً ، بدأت تظهر خرافات فظيعة غاية في التخلف ، فالاستبداد هو الذي يأتي بمثل هذه الفئات وهو المسؤول عنها أصلاً . وخذ أي شخصية مهما يكن لديها مريدون في ظل نظام ديمقراطي وبوجود قوى تطرح آراء عقلانية ستجد الناس تسمع ، لكن العقلانيين الآن كلهم مزاحون ، مبعدون ، منفيون ومسجونون من كل الأطراف ، ومن الذي يتمتع بالحرية الآن ؟ الذين يرتعون هم الذين يخلقونهم ويخيفوننا منهم .
• هل من الممكن أن تتحالفوا كحزب شيوعي مع تيار الإسلام السياسي ، أو تقبلوا بوجوده على الساحة ، بكلام أوضح ما هي حدود ديمقراطيتكم ؟
• بالنسبة لي ليس لدي مانع في التحالف معهم ، لكن هذا الامر ينبغي أن يبنى على أسس سليمة ، والأساس السليم هو أن يكون لدينا على المستوى الوطني برنامج للخلاص الوطني ، برنامج ديمقراطي تقبل به كل الفئات ،  فإذا قبلت الفئات المتدينة أو الاخوان المسلمون أنفسهم ، وتلاقينا على الخط أنا برأيي يجب أن ننفتح ، لكن بالنسبة لمسائل الماضي نحن ننصح بأن تنتقد هذه القوى نفسها وسياستها القديمة لكي تكون مقبولة من المجتمع، مثلاً العنف الذي مارسه تيار من الاخوان المسلمين عليه أن يعترف بالخطأ الذي ارتكبه ، رغم أن الارهابي الاول في رأيي هو السلطة . أما عنف الاخوان المسلمين فكان فعلاً مضاداً ، وهناك فرق بين الإثنين ، ومن هنا كان رفضي – عندما جرت ضغوط علينا كي نستنكر أعمال الاخوان المسلمين – الإعلان عن ذلك ، لكننا في كتاباتنا داخل الحزب كنا نعتبر ممارساتهم طريقاً للعنف لا نسير عليه ، ورفضنا لاستنكار أعمال الاخوان المسلمين كان مرده إلى انني لا أريد أن أعطي دعماً مجانياً للنظام آنذاك  ، لكن الآن بعد أن ذاب الثلج وبان المرج كما يقولون صرنا في موقع هجر الاستبداد كمنهج في حياة بلدنا ، والإتجاه للديمقراطية كبديل ، وصون وطننا من التدخلات الاجنبية والإعتماد على شعبنا ، والسعي لتلبية مطامحه الاساسية في الامن والعمل والحياة الكريمة . هذه كلها أسس لكي تنفتح القوى بما فيها الاخوان المسلمون على بعضها ونطوي صفحة الماضي ونبني مجتمعاً ديمقرطياً لا يسمح للاستبداد أن يطل برأسه .
• هذه الديمقراطية التي تتحدث عنها ، والتي تقبل بالآخر ، والمستعدة للاتفاق معه على أسس مشتركة ألن تتبدل لو وصلتم الى الحكم ، خاصة وأنكم سليلو حزب شمولي ؟
• لي عتب عليك في هذا السؤال فهو يمكن أن يوجه لجماعة يوسف فيصل أو جماعة خالد بكداش  وليس لنا ، فنحن لم يبق لدينا إلا هذا الاسم الذي ارتبط منذ البداية بالحرية والعدالة .
• لكنكم تربيتم في المدرسة نفسها التي خرّجت الأحزاب الشمولية الشيوعية وإن اختلفتم معها فيما بعد !
• أنت تتهمنا إتهاماً باطلاً ، ولو تابعت أزمة حزبنا منذ البداية…
• إسمح لي أن أوضح بأني لست أنا من أتهم ، أنا أنقل الاتهامات التي توجه لكم ، فالسلطة هي التي تقول أن هؤلاء المعارضين سليلو أحزاب شمولية فكيف يتحدثون بالديمقراطية الآن ؟
• نحن كفريق طرحنا مسألتين كبيرتين ، الديمقراطية داخل حزبنا قبل الانقسام ، بحيث تكون لنا هيئات لا يعينها خالد بكداش ، إنما تعينها مؤتمرات الحزب ، وأن يكون هناك دور لقواعد الحزب ، وفي نفس الوقت طرحنا مسألة أن يكون لنا حقنا كحزب في رسم سياستنا كما نراها نحن ، وأن نتحمل نحن مسؤولية رسم هذه السياسة، وهذه هي الجريمة والخطيئة الكبرى التي تصل لحد الكفر عند السوفييت ، الذين لم يكونوا يسمحون لأي من الأحزاب التابعة للمركز أن تكون سيدة نفسها في رسم خطها السياسي ، وهذا هو الاساس أو اللبنة في بناء حزبنا بعد الانقسام ، لبنة التوجه الديمقراطي ، نحن سبقنا كل القوى ، وتأتي الآن أنت لتحملني المسؤولية . لقد تغيرت مفاهيمنا ، وكنت أتمنى أن يكون هذا اللقاء قد جرى بعد المؤتمر الذي نعد له الآن ، لكي ترى كيف نفكر وكيف نعمل ، عندها كنت لن توجه لي مثل هذا السؤال . أنا لست غائباً عن الساحة السياسية ، وأنا أتكلم عن شخصي وحزبي الذي أعاد جريدته ( الرأي) إلى الصدور ، وأصبح صوته يصل إلى الفئات التي تهتم بالسياسة ، وأنا مع نقد جذرنا القديم ، أما أن نحمله الآن معنا لو وصلنا إلى السل

المزيد

حوار مع محـــــــفوظ عبــد الـــــرحمــن : الــدرامــا التاريخية تبدأ من سخونة الحاضر

تموز 7th, 2006 كتبها حكم البابا نشر في , حوارات

أعدت الاعتبار لشـخصيات همشت، وكشفت زيف شـخصيات أخرى
الرقابة أكثــــر ريبة في العمــــل التاريخي منه في المعاصـــر

  عذبني هذا الحوار مع محفوظ عبد الرحمن، فكلما كنت أظن بعد جلسة معه انني انتهيت منه، أكتشف أن لدي المزيد من الأسئلة، والمزيد من الرغبة في الغوص أكثر فأكثر في عالمه الثري، بدأنا بجلسة في الاسكندرية استطاعت أن تبني الجسم الأساسي لهذا الحوار، وانتقلنا إلى القاهرة لنتابع، وأكثر من مرة اتصلت بمحفوظ عبد الرحمن من دمشق لأستفسر عن بعض ما فاتني، أو جديد ما خطر لي من تساؤلات ومع ذلك لم ينته الحوار.. وأظن أنني انتظرت وقتاً آخر قبل نشره، لكنت حادثت محفوظ عبد الرحمن وأضفت صفحات جديدة، فهذا الرجل فعل معي ما فعلته شهرزاد بشهريار- مع الفارق طبعاً - دائماً لديه الجديد، ودائماً يترك لديه بقية، واللقاء به غني يضيف ما لايمكن تجاهله، لا يكرر ولا يعيد. ولكنني حسمت أمري وقررت نشره بشكله الحالي.
  محفوظ عبد الرحمن هو أستاذ الدراما التاريخية بدون منازع، يكتب بدقة المؤرخ وحس الكاتب الدرامي، أعماله من أول (ليلة سقوط غرناطة) إلى (عنترة) إلى (محمد الخامس ) إلى (ناصر 56) إلى.. إلى وصولاً إلى عمله الأحدث (أم كلثوم) كافية لتقديم هذا الرجل بأكثر مما أستطيع.
وفي حديثنا كلام عن أعماله وعن مفهوم الدراما التاريخية، وإبحار في آلية شغله وأسلوبه وفي علاقة الكاتب الدرامي بمن يكمل شغله…
• بدأ محفوظ عبد الرحمن كاتباً قصصياً، لكنه اشتهر كمسرحي وكمؤلف دراما تلفزيونية، وكتبت للإذاعة والسينما. إلى أي سبب يعود هذا التنوع. وهل تعتقد أن المرئي والمسموع أهم من المقروء؟ أم أن السبب هو الرغبة في الإنتشار والوصول إلى المتلقي؟ أم هي رغبة في العيش الكريم يوفرها العمل للمرئي ولا يوفرها المكتوب. وما هو رأيك بقضية قديمة حول خلود المقروء؟
• أبدأ الإجابة على سؤالك بنهاية لأنها تحمل قضية أريد استبعادها وهي قضية خلود الأدب، فأنا لا أؤمن بأن يشغل الكاتب نفسه بهذه القضية، فأنا أعتقد أن الخلود ظاهرة خارج الكاتب وبالتالي قد تهم هذه الظاهرة آخرين، أما الكاتب نفسه فانشغاله بها عبث لا معنى له. أيضاً خلود عمل أو أدب يأتي من ظروف كثيرة، وأعتقد أن هناك أعمال رائعة ضاعت، وأن هناك أعمال أقل قيمة بقيت، ولا أظن أن فكرة الخلود خطرت على بال سرفانتس عندما كتب (دون كيشوت). أما سؤالك الأساسي عن تنقلي من القصة إلى الإذاعة إلى المسرح إلى التلفزيون والسينما أحياناً. فأنا أعتقد أن الكاتب يستطيع كتابة أي جنس من الأجناس، لكن ما يجعله يختار هو حبه لجنس معين أو تفوقه فيه، أو حب الناس له في هذا المجال. أنا أعتقد أن تشيكوف كان قد قرر الكف عن كتابة المسرح عندما صاحت به سيدة أثناء عرض (طائر البحر): مالك والمسرح أكتب القصة‍! وأظن أن ما أعاد تشيكوف إلى المسرح ليس حبه فقط، وإنما أنه وجد سيدة أخرى ـ أو رجلاً ـ يقول له: اكتب المسرحية‍! فالكاتب ليس منعزلاً عن مجتمعه الصغير أو الكبير، وصحيح أنه يختار ما يكتب ولكن الناس يشاركونه الإختيار. وطبعاً الكاتب يريد الوصول إلى المتلقي، و لا يمكن أن يكون متعالياً عليه.و العلاقة ليس بهذا الشكل الميكانيكي لكني أتمنى أن تدرك ما أقصد. أما فكرة أن الكاتب يهجر القصة أو الرواية ويكتب للتلفزيون لأنه يضمن له العيش الكريم، فهي فكرة من لا يسيطر عليهم جنون الكتابة، وأظن أن (العيش الكريم) بمعناها المادي والأدبي غير متاحة للكاتب العربي إلا فيما ندر، وفي حالات خاصة جداً.
• أين تكمن متعة محفوظ عبد الرحمن في القصة أم في المسرح أم في التلفزيون؟
• أنا أستمتع بكل ما أكتبه، ولكن ذروة هذه المتعة تكون في المسرح.
• يبدو محفوظ عبد الرحمن أكثر كتاب الدراما اهتماماً بالتاريخ، هل يعود ذلك إلى رغبتك بالقفز على المحرمات الرقابية من خلال قراءة الحاضر عبر تجارب الماضي؟ أم هي عقلية جيل لا يزال يرى الماضي الملاذ ويجد فيه إجابات لكل الأسئلة؟ أم أن الحاضر أقل امتلاءً باللحظات الدرامية الحاسمة من وجهة نظر جيلك من الماضي؟ أم هو استسهال لبناء الحكاية الموجودة أصلاً في التاريخ. وأنا أعني بالتاريخ المراحل القديمة والمراحل التي مر عليها زمن ولو قليل.
• الإجابة عن هذا السؤال سهلة جداً، فأنا أستطيع إختيار إحدى الإجابات التي طرحتها في أسئلتك، أو البحث عن إجابة خارج ما طرحت، أو الرد بأني أحب التاريخ، والحب ـ كما نكاد نتفق ـ لا يفسر. وكثيراً ما أفعل ما تقدم لأن هذا السؤال يطرح علي كثيراً. لكنني هنا سأحاول أن أبحث عن إجابة (حقيقية) أو وافية شافية كما يقال . أستبعد أولاً فكرة التحايل على الرقابة، ربما خطر للبعض أن التاريخ مهرب لطرح آراء عصرية غير موافق عليها. ولكن التجربة أثبتت ـ وبسرعة شديدة ـ أنها فكرة غير صحيحة، فالرقابة في كل البلاد العربية كانت أكثر ريبة في الأعمال التاريخية من الأعمال المعاصرة لأسباب كثيرة منها أنه ربما خطر على بالها ما خطر على بال الكتاب، ومنها أن محرمات التاريخ أكثر حدة من محرمات العصر لأنها تتناول بين ما تتناوله نظم الحكم. وأستبعد ثانياً استعمال بناء الحكاية الموجودة أصلاً في التاريخ، لأنه لا يوجد كاتب حقيقي عبر العصور يبحث عن الأسهل، ولو أنه فعل فسيجد أن الأسهل هو البحث عن مهنة أخرى غير الكتابة وأعتقد أن هذا سيكون أسعد له، وأنا لا أظن أن (الحادثة) التاريخية هي (قصة) جاهزة ومعرفة ذلك تتطلب ممارسة العمل، بل قد نجد أن (الحادثة) أحياناً تحتاج إلى جهد مضاعف لبنائها قصة. أنا أرى أن كاتب الدراما الذي يلجأ إلى التاريخ يكتب ما يشبه الشعر بروية وقافيته، وإن من يكتب العمل العصري يكتب النثر، وأنا أحب التاريخ إطاراً للأعمال التي أكتبها لأسباب عديدة، ربما كان منها ما نفيته، مثلاً قد تثيرني حادثة ليس لأنها جاهزة ولكن لأنها مثيرة. ولكن ربما كان السبب الرئيسي ـ بعد حبي الفطري للتاريخ ـ أنني أراه مناسباً لطرح الأفكار الكلية مثل قضايا الحق والعدالة والحرية والمساواة، وأنه أكثر تبدلاً وإتساعاً في الإطار العصري. وأنا أحب التاريخ ذلك الحب الذي يدهشني أحياناً، فإذا خيرت في حمل كتاب واحد في سفر أو ما شابه سأختار كتاباً في التاريخ.
• إذا اتفقنا بأن شغلك أبعد من حدود المؤرخ، فما هي إضافتك ككاتب درامي على الحدث التاريخي، وهل هذه الإضافة مبررة، وهل من الصحيح إختيار مقطع من التاريخ لخدمة فكرة ما كما تفعل حركات أو جماعات أحياناً من أجل تقديم مبررات لتصرفاتها الحالية، أين يقف محفوظ عبد الرحمن في قراءته للحدث التاريخي؟
• بالطبع أنا لست مؤرخاً لأنني لا أكتب التاريخ، ولكن هذا ليس معناه أن ـ بيني وبين نفسي_ لا أكون مؤرخاً لفترة، فأنا أحاول أنا أدرس الموضوع كمؤرخ، وأن أكتبه كأديب. وأنا لست ضد اجتزاء موضوعات تاريخية تخدم رؤية الكاتب، وإلا فلماذا أكتب. كاتب الدراما التاريخية ليس كاتب حوليات ولا كاتب تاريخ عام مثل الطبري. إنما هو يتوقف أمام حدث تاريخي،أو فترة تاريخية لأنه رأى فيها ما يرضي مزاجه الأدبي أو السياسي ولذلك فأنا متعاطف مع اليسار عندما يختار موضوعات مثل (أبي ذر الغفاري) و(ثورة الزنج) .  لكن ـ ربما ـ كانت نظرتي أوسع من البحث عن محطات قدرية. في الواقع أنا لا أبحث عما أكتبه في التاريخ، وأظن أن التعبير المناسب هو أن الحادثة تبحث عني. هذا اللقاء يأتي أساساً من (عصرية) الفكرة العصرية. لقد ظللت نحو عشرة أعوام أتلقى أسئلة تظن أنني كتبت (ليلة سقوط غرناظة) بالأمس، حتى أن أحدهم أعتقد نني أكتبها حلقة حلقة مع الخروج من بيروت، في حين أن العمل كان طبعاً مصوراً منذ وقت طويل. الدراما التاريخية ـ ربما عاشت سنوات ـ لكنها لا بد أن تبدأ من سخونة الحاضر لا سخونة الماضي. والشيء الذي يحدد هذا بالنسبة لي هو إحساسي كإنسان عربي.
• ألا تظن أن الارتهان للماضي هو جزء من شللنا، أنا لا أطالب بالقطيعة معه، لكنني أطالب بعدم إعتباره منبع الحلول لحاضرنا.
• أنا أعتقد أن الحركة الإنسانية هي ماض وحاضر ومستقبل، والثلاثة مرتبطون ومتفاعلون، وإذا اجتزءنا الماضي نظرياً، فهو يمثل لي الخبرة والدرس، وبالطبع هما عنصران أساسيان في التطور، أما أن يكون الماضي عزاءاً من الإحباط المعاصر أو حائط مبكى، أو مقبرة ندفن فيها أنفسنا، أو عصراً ذهبياً ندفع أنفسنا إليه، فهذا بالطبع مرفوض.
• إلى أي حد يتيح لك التاريخ التدخل فيه درامياً، وأين شغلك الدرامي داخل الحادثة التاريخية.
• أنا أدهش عندما يلقى هذا السؤال، فالدراما التاريخية فن قديم جداً، وفي مكتبة أي منا (الألياذة) و(الأوديسة) التي تعبتر أقدم نصوص الدراما التاريخية، إلى بعض مسرحيات شكسبير إلى السير العربية مثل (الزير سالم) و(الهلالية) و(عنترة بن شداد) . وأظن أن هذه الأعمال قدمت قواعد كتابة الدراما التاريخية وهي ببساطة تعتمد على أحداث تاريخية، وتقدم شخصيات تاريخية، لكنها لامتاع المتذوق ولإكمال الصورة تضيف أحداثاً وشخصيات لا تؤثر في مدى صدق التاريخ . وأي تغيير في الأحداث التاريخية على الكاتب أن يشرحه ـ كمؤرخ ـ وأن يستطيع تبريره، كذلك تفسير الشخصيات إذا كان ذلك خلاف التفسير السائد، كما فعلت عندما قدمت السموأل كيهودي جشع بدلاً من صورته كرمز للوفاء، وكما قدمت الخديوي اسماعيل كباني دولة بدلاً من صورته كمسرف وزير نساء.
• هذا يعني أنك قد تتدخل في الحادثة التاريخية!؟
• أولاً هناك نوعان نوع تاريخي، ونوع آخر هو الدراما التاريخية بمعنى أنني اقتطع جزءاً من التاريخ أعرفه وأختار منه م

المزيد


حوار مع عــــــادل حــــمــــــودة: أزمــة الـصحافة العربيـة هي أزمـــة رؤســاء تحرير!!

تموز 7th, 2006 كتبها حكم البابا نشر في , حوارات

اسـتخدمت نظريـة خط بارلــيف في تطوير ( روز اليوسف )
أنا أول مســؤول تحــرير عربي، يدفع نقودا لمصدر المعلومات
كنـت أسـتخدم الجنـس لأخــفف من صدمة السـياسـة
حولت ( روز اليوسف ) إلى ســـلطة حقيقية يحسـب حسابها
أزمة الصــحافة العربيـة هي أزمـة نشـر وليست أزمة إبداع
وظيفة الكتابة الصحفية ليس الإمتاع، ولا نقل المعلومات، بل التأثير
.

ربما يكون الحوار مع صحفي هو أصعب أنواع الحوارات الصحفية، من حيث كونه حوارا مع شخص يعرف أسرار مهنتك، ولديه خبرة واسعة بأدواتك، ويفهم مراميك وأبعاد النقطة والفاصلة وإشارة التعجب في كلامك، ومن الصعب أن تستخدم معه  أية أساليب ملتوية أو صيغ مواربة، ومن الأفضل لك عندها أن تتجه إليه مباشرة، وخاصة إذا كان المحاور – بفتح الواو – صحفي في قيمة وحرفية عادل حمودة، وهو  ما فعلته تماما في بعض الأسئلة التي قد تنطوي على بعض الوقاحة، والتي أجاب عليها هو بحرفية.
   جرى هذا الحوار مع عادل حمودة خلال زيارة قام بها لدمشق .. ترافقنا في مشاوير عدة قبل إجراء الحوار، وتحدثنا في أمور مختلفة، طغى عليها موضوعان: تجربة روز اليوسف، ووفاة نزرا قباني، التي قادتنا إلى زيارة البيت الذي ولد فيه في مأذنة الشحم، إلى أن حدثت الألفة اللازمة لصناعة حوار مهني وحميم في ذات الوقت.
ومع ذلك لا أخفي أنني ترددت في الدقائق التي سبقت الحوار، ورغبت في قرارة نفسي  ألا يتم الحوار، فقد كنت أحس أنني في ساعة امتحان أكثر من كونها ساعة لعمل شغل صحفي، ولكن هذا القلق  زال بعد لحظات من بدء الحديث.
والآن أشعر بعد كتابة الحوار وتنسقيه بارتياح يصل إلى حد المتعة، فما كنت أبحث عنه وجدته في حديث عادل حمودة، الذي جمع بين التجربة الشخصية الصحفية وبين الدرس المهني.. وإن كنت أظن أنه لا تزال هناك ثمة أسئلة تستحق الطرح، وثمة كلام مهم بإمكان حمودة أن يقوله.
تجربة ( روز اليوسف ) هي محور هذا اللقاء، وهي تجربة من الأهمية بحيث تستحق أن يفرد لها أكثر من هذه الصفحات، وهي تجربة تماهى بها عادل حمودة، إلى حد أن ذكر اسم ( روز اليوسف ) يستدعي اسم عادل حمودة، والعكس صحيح.
أخيرا ليس لدي الرغبة بإنشاء مقدمة عن أهمية عادل حمودة ومكانته، فالحديث في حد ذاته، سيكون خير دليل إلى الشخصية التي أحاورها، ولذلك اخترت أن أكتب مشاعر راودتني قبل وبعد إجراء هذه الحوار.
وهذا هو الحوار…
• متى يصبح الحوار مع صحفي عملا مشروعا ؟!
• الصحفي يظل يكتب ويعبر ويدخل طرفا غير مباشر في موضوع، إلى أن يصبح طرفا مباشرا في قضية، بمعنى أنك تتناول قضية غيرك، الصراع العربي الإسرائيلي، الفساد، أزمة المرور ولك رأي فيها، الناس تتفق أو تختلف معك، لكن تظل القضية التي تتكلم عنها ليست قضيتك، إلى أن تكتب موضوعا وتصبح طرفا مباشرا في القضية، وفي صناعة الخبر. سأعطيك مثالا .. خذ قضية الليثي التي كان من الممكن أن تمر مرورا باعتبار أنني فجرت الموضوع أخذ الإجراء    أم لم يتخذ.. انتهى الموضوع، لكن عندما تذهب إلى النيابة، تصبح أنت طرفا في الخبر، وتكتب الأخبار على النحو التالي: ( عادل حمودة أمام النائب العام، عادل حمودة يرد على الليثي، الليي يرد على عادل حمودة ) هنا أنت أصحبت جزءا من الخبر، وطرفا أساسيا فيه، وعندها يجب أن يتضمن الخبر اسمك، ولا يكون موقعا باسمك. في هذه اللحظة التي تصبح فيها طرفا في صناعة حدث أو خبر أو موقف ما، يمكن عمل حديث مع صحفي، نفس الشيء عندما تقوم بعمل تجربة كتجربة  ( روز اليوسف )
• أنا أحاول أن أجد مبررا للحديث معك؟!
• كنت سأعطيك المثال الثاني، المثال الثاني أنني عملت تجربة ( روز اليوسف ) ومن ثم أدركت الناس، أنك تركت التجربة بشكل من أشكال التعسف.. عندها يجب أن يتساءل الناس لماذا حدث هذا.. وماذا جرى؟!
• لكن هناك كثيرين غيرك، تركوا أماكنهم، ولم يتساءل الناس لماذا.. أنا أريد من خلال هذا السؤال أن أتحدث كيف ومتى يتحول الصحفي إلى نجم، ولماذا تختار أنت مثلا محمد حسنين هيكل لاستشارته في قضية ما، ولا تذهب لسؤال وزير الخارجية.. وهذا الأخير ربما لديه   بالتأكيد معلومات أكثر من هيكل باعتباره داخل الحدث .. وهذا هو جوهر سؤالي التالي ؟!
• كما قلت لك، عندما تخرج من كونك متابعا للحدث ومعلقا عليه، لتصبح طرفا مباشرا فيه وفي صناعته، بمعنى يصبح رد فعلك خبرا وليس رأيا، الذهاب للنائب العام في قضية الليثي خبر، هنا عندما تصبح خبرا يهم عددا كبيرا من الناس، وما تقوله هو إضافة معلومات وليس إضافة رأي. افرضوا أنا وأنت دخلنا في مواضيع.. أية مواضيع عامة: السلام، التطبيع.. سنتجادل ولكن في النهاية نحن لم نصنع القضية، لا أنا ولا أنت ذهبنا لنطبع .. في هذه الحالة نحن نقوم بمناظرة، وكلانا طرف خارج الحدث، لكن عندما تقوم أنت بعملية قتل – آسف – تصبح طرفا في حدث . عندما تأتي وتفجر قضية فساد، وتذهب إلى النيابة العامة، وتحاكم مثل مجدي أحمد حسين، هو طرف في قضية، يجب أن نسمع رأيه، ونسأله ما الذي حصل.. عندها يصبح السؤال : ماذا حدث، وهو غير: ما هو رأيك فيما حدث. وما يقوله يؤثر في سير الحدث، في هذه الحالة يمكن أن تتحول من صفة الصحفي، إلى صفة المصدر. أما لماذا محمد حسنين هيكل، وليس غيره، فبسبب ما جرى معه والأحداث التي عاشها. ليس في تاريخ هيكل آراء، إنما هيكل سجن واعتقل وخرج من الأهرام، وحقق معه أمام المدعي الاشتراكي، كان جزءا من حدث ومن خبر.. لماذا هيكل الآن؟! لأنه بما يحمله من تاريخ أدى إلى نجومية ضخمة جدا، وضعه في موقف مختلف عن صانع السياسة المباشر . إنك عندما تعرف رأي عمرو موسى يمكن أن تكمله برأي هيكل. لنترك هذا ونعود إلى النقطة الأساسية: عندما يتحول الصحفي إلى مصدر يأتي إليه الصحفيون، يكون قد أصبح طرفا في قصة، والناس تتساءل: ماذا جرى، وليس: رأيك فيما جرى . 
• لنتحدث عن الأسباب التي تصنع نجومية الصحفي؟!
• أنا ألاحظ، أنه بعد جيل العمالقة ليس هناك صحفي نجم، يعني بعد أحمد بهاء الدين، ومحمد حسنين هيكل، ومصطفى أمين وجيلهم – طبعا أتكلم عن مصر – لم يوجد الصحفي النجم .
• لست في وارد في مجامتلك، ولكن من قبيل تقرير واقع أقول أنك استطعت أنت في ( روز اليوسف ) وهي مجلة أسبوعية، وليست مطبوعة يومية – وهو أمر له أهميته حتما – استطعت أن تكون نجما، وأكرر هذه ليست مجاملة، إنما محاولة بحث عن مفاتيح النجاح ضمن تجربتك؟!
• مفاتيح النجاح تكمن أولا في سؤال: أنت لمن تنحاز؟ أنت مع من ؟ أنا كنت مثلا أقول أنني مع المجتمع ولست مع الحكومة. أحيانا يلتقي المجتمع والحكومة كما حدث في قضية الإرهاب.. الاثنان يريدان مواجهة الإرهاب، لكن أحيانا – بل غالبا – ما يقف المجتمع والحكومة في مواجهة بعضهما بعضا، كما في قضايا الفساد والسياسة الخارجية، عندها أمن تعمل عند من؟ من جهتي أنا اعمل عند القارئ وأقولها لك بأمانة، وهذا كان جزءا من سياستي في رفع سعر المجلة، كي يمولني القارئ. أنا لا أتقاضى من أي أحد آخر. لا أخذت من دولة عربية ولا من حكومة، ولا من أية جهات.. وعندما قدر لي أن أقترب من صانع القرار أو من مصادر الثروة لم أخن ذلك المبدأ.  وأنا أرى كثير من المثقفين يقعون في هذا المطب، يعني يواجهون الحكومة ويعترضون ، لكن في أول تلويحة من الحكومة بالجزرة ينهارون ويسيل لعابهم. وأعتقد أن ما حماني من هذا هو قراءتي الحقيقية للتاريخ، فالعشر سنوات التي سبقت تسلمي لـ ( روز اليوسف ) رغم كوني محررا فيها، إلا أنني كتبت مجموعة من الكتب السياسية فيها تفسير للتاريخ المصري، وخصوصا الحديث… تفسير لثورة يوليو، ولعهدي عبد الناصر والسادات.  من ذلك الوقت عرفت أن القارئ، كان يدفع ( 10 ) جنيه، لشخص لم يكن بالنجومية التي أنا عليها الآن، وكان الموضوع هو النجم، وكان – القارئ – بحاجة لكي يقرأ ذلك. من ذلك القوت تعلمت أن يمولني القارئ، ولا يمكن أن تعمل عند الحكومة وعند القارئ معا، لأن المجتمع متحرك، ولديه مطالب كثيرة، والحكومة دائما قاصرة، فأنت مع من؟ وهذا هو السؤال الجوهر.  الأمر الثاني في مفاتيح النجاح هو من يقود من؟ فخلال السنوات الست التي استملت فيها ( روز اليوسف ) أتحدى أن تكون هناك قضية في المجتمع المصري، سبقنا أحد إليها أو إلى تفجيرها.. إطلاقا، لم يوجد أحد واجه ونبه إلى قضية الإرهاب بشكل حاد جدا وكان يمكن أن نموت فيها. كذلك قضية التطبيع والفساد الإسرائيلي في مصر (روز اليوسف) واجهتها بعنف ومن دون حياد. من دافع عن قضايا الحريات في مصر هي ( روز اليوسف ) وكذلك الدفاع عن قضايا التنوير بوضوح، موقفنا من قضية نصر حامد أبو زيد واضح، موقفنا من قضية دولة دينية مرفوض وواضح . أيضا هناك قضية مهنية، فعليك أن تسبق مهنيا ولا تنتظر كي تفهم المسألة أو القضية، إنك في هذا  لا تنتظر ما ستقوله بقية الصحف، أو ماذا يريدون؟! وإلى أين؟  يتجه التيار؟ وفي وقت كان حتى الأكثر جرأة كان يمسك العصا من المنتصف، نحن لم نمسكها من المنتصف. من أول يوم أعلنا في  وقت قضية قانون اغتيال حرية الصحافة، مذبحة الحرية في مجلس الشعب، أنا أعتقد أنني صاحب تعبير ( قانون اغتيال الصحافة ) كما أني أول من تكلم عن فساد أبناء الوزراء في مصر، وهذا أمر مسجل ولا يستطيع أحد أن يشكك فيه، لأننا لا نعمل في ملفات سرية، فملفاتنا منشورة على الناس، ولدينا سلاح خطير هو سلاح الأرشيف. ودائما يثبت أن مواقفنا هي الصحيحة لأنها مواقف عبقرية ولا تحتاج لعبقرية، ولا أعتقد بوجود فرد في الدنيا كان ضد الحرية وكسب، لم يحدث فلماذا لا يتعلم الناس هذه القوانين، ولماذا تبدو القوانين غير واضحة أمام الناس، أنا كنت في كل مرة أكتب فيها مقالة، أو آخذ فيها موقفا في المجلة، كنت مستعدا – وصدقوني – أن أضحي بمكاني. لقد دافعت بجد عن ضمير هذا البلد، ورفضت أن يجلد مصري في السعودية. كوني مسؤول عن التحرير في ( روز اليوسف ) شيء رخيص جدا لأنني لم أكسب فيه شيئا، ولذلك لم اخسر شيئا بعد خروجي من ( روز اليوسف) حتى بعض الناس الذين كنت ألتقيهم، والذين كانوا يقولون لي شد حيلك، أجيبهم شدوا حيلكم أنتم. ومن الناحية الفعلية أنا ارتحت من الضغط النفسي والعصبي والمصائب التي كانت تأتيني، لكن من خسر هم الناس الذين كنت أدافع عنهم. وبالنسبة لي فقد استعدت جزءا من حريتي الإنسانية، لأنني عندما كنت أدير ( روز اليوسف ) لم أكن حرا، وكانت هناك أمور تدفعني حتى التوتر. أنشر مقالة فأجد إما الدولة تضغط علي، أو أحول إلى النيابة، أو أذهب إلى محكمة الجنايات، أو يغط علي الرأي العام، أو تشتمني التيارات الأخرى في الصحف.
• ولكنك كنت مرتبطا بعلاقات من أناس هم في السلطة، إلى أي حد كان هذا الارتباط .. وإلى أي حد تصبح هذه العلاقات مضرة أو ربما مفيدة للصحفي؟!
• الصحفي مثل الفراشة، الاقتراب من السلطة اكثر من اللازم يحرقه، ومن الضروري له أن يكون في منطقة الضوء لأنه يعمل فيها، وهي منقطة أخباره. بهذا المعنى لا يجوز أن تعمل صحفيا وخصوصا عندما تدير مجلة، وأنت معزول عن كل مصادر الأخبار، ولا تعرف ما الذي يجري في المجتمع. وبهذه الطريقة أنت لا تقدم صحافة مدرسية، وتصبح الصحافة التي تعمل بها تالية وتابعة، تقرأ صحيفة صباحا ثم تعمل شغلك، كأن أقوم أنا بقراءة ( الأهرام ) وآتي في آخر الأسبوع، أقدم شغلا للمجلة على ضوء ما تكتبه الأهرام، هذا ليس عملا صحفيا، لذلك لو راجعت تجربة ( روز اليوسف ) سترى أن هذه المجلة كانت تخلق الحدث، تخلق الموضوع، ولا تنتظر كي يكتمل الموضوع، ويصل للصحيفة، بل تخطفه، تقوم بحركة انقضاض عليه وتفجره. هنا الاقتراب ضروري، لأن الصحفي هو جملة معلومات، وجملة مصادر، وإذا كان أي رجل صاحب أي بنك، يقاس برصد الأموال التي في بنكه، فالصحفي يحسب برصيد علاقاته، والمقياس الحقيقي الخطر، هو إلى أي مدى، يمكن أن تندمج في هذه العلاقات، هنا المشكلة الكبيرة، أما أن يكون لك علاقات قوية جدا، ثم يفاجأ الناس أنك تهاجم، لذلك كان شائعا في مصر أن ليس لدي صاحب، وهم يقولونها بالمعنى السيء، والحقيقة ليس أنني لا أملك صاحبا، لكن العلاقة بيني وبينك تجعل لكل منا وظيفة، وأنا فقدت عدد كبير من الناس على كل المستويات .. من نجوم السينما إلى نجوم السياسة، أناس كثيرون جدا لأنهم لم يقدروا دوري، لأن دوري لا يعني أن أجمل وأزيف، اقترابي من هذه المصادر يعني أن أعرف الحقيقة وليس العكس . في أحيان كثيرة كنت أعمل مثل أي قاضي، القاضي يتنحى عن أي قضية هو طرف فيها، فأختار أي محرر ليس له علاقة بالموضع، ثم أرسل المادة إلى التحرير مباشرة، دون أن أراها، متنحيا تماما، ما لم أكن مقتنعا بحقيقة معينة إلى حد أن أتحمل وقوفي مع طرف من الأطراف، كما حصل في قضية يسرا. الرأي العام كله كان ضد يسرا، وأنا كنت مقتنعا ببراءتها تماما، ليس بحكم صداقتي لها، بل بحكم أني سألتها عما جرى واقتنعت بما قالته، وعندما تقتنع تخرج لتواجه الرأي العام، وفي حال ظهر خطأك أنت تذبح من وجهة نظر الناس ويظهر انحيازك . هناك جزء معنوي  نحن لا نشعر به، نتيجة تجميد معظم الصحفيين، وهو كيف تكتب خبرا مغلوطا، وتظهر أخبارك غير صحيحة، ثم بعد عمر طويل من الصحافة، تنتقل من مرحلة الخبر الخاطئ إلى مرحلة الرأي الخاطئ، وباعتقادي أنني لم أخطئ ولا لمرة، كنت باستمرار أختار الجانب الصحيح… فقضية العلاقات هي قضية شديدة الحساسية وتجلب مشاكل كبيرة، وأنا فقدت عددا كبيرا من أصحابي، لأن مواقف ( روز اليوسف ) كانت تطغى على مواقفي الشخصية.. ربما الآن لدي حرية أكثر في العلاقات، بعد أن كنت مسؤولا ليس عما أكتبه فقط، بل عما تنشره المجلة أيضا، وثمة اعتقاد بأنه لا شيء يتم دون موافقتي.. اسأل الناس في ( روز اليوسف ) كان هناك نظام الأغلبية التي طالما غيرت كثيرا من المواقف. كان الغلاف يتم من خلال أربع أو خمس جهات نظر من أهم صحفيي روز اليوسف، وكنت أقوم بمهمة كتابة العناوين، وإذا لم تعجبهم كانت تتغير.. لم يكن هناك انفراد بل تجانس في الموقف، وهذه الأشياء التي حمت المجلة، فآلية العمل لا تعني مادمت تدير مجموعة في نفس عملك أن تتجاوزهم.
• استطعت أن تحصل على هامش كبير في ( روز اليوسف ) خلال السنوات التي أدرت فيها المجلة، هل كان هذا الهامش معطى لك كهبة، أم انك دخلت في صراعات مع مراكز قوى، ووسعت أنت هامشك؟!
• أعجبني ما قاله هيكل عندما سألوه في جريدة ( الشعب ) عن قضيتي، قال أنني قررت أن أوسع هامش حريتي بنفسي، وأنا أعتقد أن هذا ما حصل . أنا سألت مرة عما إذا كانوا مصدقين قضية حرية الصحافة، فأجابوني بنعم، عندها قلت لهم إذا أنا أيضا صدقتها. الفرق بيني وبين الآخرين، أنني صدقت أن هناك حرية صحافة، والحرية تشبه سرعة السيارة، كلما تضاعفت قد تؤدي إلى حادثة، طبعا عندما تحسب تجربة ست سنوات يعني أن تتكلم عن أكثر من ( 350 ) عدد، وبدأت إلى أن صارت العجلة تدور بشكل أسرع، إلى الحد الذي يمكن له أن يقلبني..أعتقد أن هذا ما حصل.
• بعدما ما حصل هل تكرر تجربة روز اليوسف ثانية لو أتيح لك ذلك؟!
• في المواقف الفارقة في الحياة، أسأل نفسي ثلاثة أسئلة: هل أنا نادم؟ هل أكرر التجربة لو حصل؟ هل يمكن أن أنزع أجزاء من التجربة؟! أعتقد أنه لا توجد لدي مساحة ندم على التجربة أبدا، ولو حصل، كنت سأكررها، لكن لا أعرف ما إذا كنت سأنزع أجزاء منها، فأحيانا يضعك الرأي العام أمام موقف لا يمكنك أن تتوازن فيه، وكثيرا ما كنت أبدأ الأسبوع برغبة في خلق توازن كي تستمر المجلة، لكني آتي إلى نهاية الأسبوع،  ولا أستطيع إلا أن أتخذ الموقف الصحيح. هناك قضايا لم احسمها حتى هذه اللحظة، إلى أي مدى – مثلا – يجب أن يكون لدي أصدقاء وأعداء، وخصوصا الرأي العام كله، ربما يكون الرأي العام معي بقلبه لكنه غير مؤثر في القرار، وأقول لنفسي ليس من المعقول أن أكون قد فتحت جبهة مع رئيس الوزراء، وجبهة مع رجال الأعمال، وجبهة مع إسرائيل، وجبهة مع من لا أعرف .. وإياك أن تتصور أن هؤلاء لا يرتبطون بصلة مع بعضهم بعضا، كلهم لهم صلات حتى لو لم تكن مباشرة، فهي صلات بحكم تجانس تركيبة الموجود. أحيانا هنا أقول يجب أن تخفف الضغط في المكان الفلاني، أن لا نفتح جبهة كي نتمكن من مواجهة الجبهات الأخرى، وحتى اليوم لم أحسم هذه المسألة، لكني أعتقد بحكم تركيبتي أنني كنت سأكرر نفس المسألة، بنفس الاندفاع ونفس الحماقة.
• هل تعتقد أن نشوة النجاح دفعتك إلى الغرور وإلى الإحساس بقوة لا تقهر، وبالتالي الصدام الجدي الذي أدى إلى نقلك من ( روز اليوسف ) وإنهاء تجربتك ؟!
• كي أكون صريحا معك، ربما ليس غرورا، ربما الإحساس بكون ( روز اليوسف ) قد أصبحت سلطة حقيقية، يحسب حسابها، لأن المجلة ليس مجرد رقم ولا توزيع، بل تأثير وسلطة.  ربما أدركت أن ( روز اليوسف ) أصبحت سلطة ومن حقها أن تلعب دورها الطبيعي في محاسبة المؤسسات الأخرى، وأنها قد وصلت إلى درجة من القوة تسمح لها بالاستمرار حتى لو دخلت في مواجهة. 
• قصدت من سؤالي أنك أحسست بأنك أصبحت أقوى من أن يمسك أحد بفعل الناس التي تشتري مجلتك، وتقرأ ك وتتابعك وتنتظرك؟!
• لست أنا بالض

المزيد