لـن نــكون سـلبيين فـي حـال انـفتـح الـنظـام عـلـى المجـتـمـع
عليـكم أن تنـظروا إلينـا كقافلة حـريـة تسـير لكنها لم تصـل الى غايتها بعد
ليس لـدي اعتراض على مطالبات أمريكا بتحول ديمقراطي في سورية إنما كيف تتم ؟
كلام شخصي عن الخوف من هذا الحوار
لابد لي أن أعترف في البداية أن هذا الحوار مع المعارض السوري البارز رياض الترك أرعبني خلال اجرائه ، وخلال كتابته ، بالحجم الذي أفرحنتي موافقته على الحوار ، بسبب اعتياد الصحفيين السوريين على حوارات أقل وطأة مما ستقرؤون بعد هذه المقدمة ، وكان علي أن أختار بين أن أنشر الحوار باسم مستعار أو بدون اسم متنازلاً عما أعتبره فرصة مميزة لصحفي ، أو أنشره باسمي الصريح كمحاور للاستاذ رياض الترك رغم ماقد يترتب على ذلك من تبعات ، وقد تغلب - بعد صراع - هاجس المهنة الصحفية على الخوف الإنساني لدي ، ثم جاءت الجملة الواردة في بيان إتحاد الصحفيين السوريين المتضامن مع مراسل قناة الجزيرة تيسير علوني والمستنكر لاعتقاله في اسبانيا بتهمة حوار أجراه والتي تقول : " ليس على الصحفي مناطق محرمة في تحركه لأداء واجبه المهني ، ورسالته الصحفية ، وإن اعتقال الصحفي بسبب القيام بواجبه إنما هو مصادرة للرأي والفكر والقلم وحرية التعبير التي كفلتها جميع المواثيق الدولية " لتعطيني ماقد يقلل من خوفي المبرر، ومايرجح أكثر هاجس المهنة لدي بنشر حوار أعتبره سبقاً بكل معنى الكلمة ، كونه يقدم رؤية نقدية للنظام والمعارضة في سورية لاتجامل طرفاً على حساب آخر وعلى لسان معارض قضى ثلث عمره في السجون.
بعد هذه المقدمة التبريرية ، أود أن أسجل ببضعة سطور إنطباعي عن الرجل الذي حاورته عبر عدة جلسات كونت لدي ماأعتقد أنها صورة له ، فرياض الترك -كما لمسته- رجل متواضع بجد وليس مدّعي تواضع ، مهووس بفكرة الديمقراطية حتى لو أبعدته عن القيادة ، ولمست ديمقراطيته خلال حواري حين قابل أسئلتي الإتهامية والتشكيكية بكل رحابة صدر ودون أن تظهر عليه بادرة غضب أو تبرم ، خجول سلس التعامل إلاّ فيما يخص السياسة فهو عنيد وجبّار ، ولذلك تماحكنا حول عدة تعبيرات في حواره الذي دققه أكثر من مرّه ، صلب من الداخل بشكل لايمكن أن يكشفه الشكل الخارجي لرجل تجاوز السبعين ، يترك لدى ملتقيه شعوراً بالحب يغطي على شعور سابق بالاعجاب تخلقه سمعة رجل قضى سبعة عشر عاماً في زنزانة إنفرادية من أجل فكرة نبيلة غير آسف على ماضاع من سنوات عمره ، ومستعد لأن يعيدها مرةً أخرى لو اقتضت الظروف ، وكل ماأتمناه أن أكون قد وفقت في نقل هذا الانطباع الذي خلفه لدي رياض الترك إلى قارئ هذا الحوار عبر إجاباته على أسئلتي ..
الحوار
• أنت أحد رموز المعارضة السورية ، لكن إسمح لي أن اسألك هل هناك معارضة سورية في رأيك ؟
• ليس هناك من شك في أن المعارضة السورية موجودة . فكرة " المعارضة " كانت تطلق في السابق على الأحزاب أو الشخصيات التي تحمل وجهة نظر أو برنامجاً يخالف سياسات السلطة كلها أو بعضها . هذا المفهوم عن المعارضة تغير بعد استلام حزب البعث السلطة في آذار 1963 ،الذي نصب نفسه قائداً للمجتمع تحت ذريعة إجراء تحولات (ثورية) في إدارة المجتمع والدولة مستمدة من شعاره " الوحدة والحرية والاشتراكية " ، فبهذا المعنى وفي الممارسة العملية انحصر العمل السياسي بحزب البعث ، وبالتالي حرم المجتمع والأحزاب من ممارسة السياسة . وهكذا أصبح صعباً على كثير من الفئات الاجتماعية أو الشخصيات الديمقراطية والأحزاب ممارسة أي عمل سياسي من دون أن تنال جزاءها من القمع والملاحقة والسجن . هذه كانت البداية ، لكن مع تتالي الصراعات داخل قيادة حزب البعث ، وكذلك نخب العسكر القابعين خلفها وحصول تغييرات داخلها (انقلاب 23 شباط و 13 تشرين الثاني) أخذت تضيق دائرة أصحاب القرار السياسي إلى أن وصلنا إلى شخصنة السلطة بعد استلام الرئيس حافظ الاسد زمام الامور . ورغم أن الرئيس الراحل صاغ دستوراً أوجد شكلاً من المؤسسات الديمقراطية والسياسية ( مجلس الشعب – الجبهة الوطنية التقدمية – والمنظمات الشعبية والحكم المحلي ) ، إلا أنها بقيت شكلية ، بل على العكس ازداد الطابع الاستبدادي للنظام ،وازداد الجانب القمعي كما هو معروف لمعارضي نظامه ، وبالتالي ازدادت دائرة الفئات الاجتماعية والسياسية والثقافية المتضررة من تلك السياسات والممارسات . وأنا شخصياً أعتبر أن كل هذه الفئات معارضة وإن اختلفت في أشكال التعبير عن معارضتها . ولهذا برأيي كل مظلوم هو معارض للنظام ، وقد نشأت لدينا معارضة واسعة هي معارضة المجتمع بمعنى آخر اتسعت دائرة المعارضة فتجاوزت الاحزاب التي لجأت الى العمل السري والسري جداً.
• كان هدفي من السؤال هو الحديث عن احزاب معارضة الآن في سورية وليس عن مواطنين متضررين ؟
• دعنا نبدا بأنفسنا قبل أن نتناول الآخرين ، فحزبنا كان نتاج أزمة حدثت داخل الحزب الشيوعي السوري أواخر الستينات ، وانتهت أوائل سبعينات القرن الماضي ، وكنا – نتيجة لهذا الانقسام – الجسم الاكبر كوادر وعدداً (بصرف النظر عن الجدل الذي يمكن ان يدخل فيه الشيوعيون بين بعضهم البعض) وكانت لنا كمجموعة منذ بداية حكم الرئيس حافظ الاسد وجهة نظر معارضة ، حتى عندما كنا موحدين في الحزب عام 1970، ثم تحولنا إلى أقلية داخل اللجنة المركزية للحزب بعد انضمام ثلاثة من رفاقنا إلى خالد بكداش فيما يخص الموقف من انقلاب 1970 ، وطبعا جاء ذلك بضغط سوفييتي من أجل تأييد حكم الرئيس الاسد ، واستمر موقفنا المعارض ما بين عامي 1974و1978 حيث كنا نحاول التعبير عن وجهة نظرنا تدريجيا إلى أن عبرنا عنها بوضوح عام 1978 ،وهو العام الذي انعقد فيه المؤتمر الخامس وأصدرنا الموضوعات المعروفة التي طرحت برنامجاً للتغيير الوطني . ثم جاءت حملة الثمانينات حيث تعرض حزبنا للملاحقة وسجن عدد كبير من أعضائه وقضى بعضهم تحت التعذيب أو بسببه ، وقد أدى كل ذلك إلى تراجع الحزب وضعف أدائه ، لكننا كحزب استطعنا الصمود في مواجهة الاستبداد ، وحافظنا على وجودنا وان كانت فاعليتنا ومدى انتشارنا هي أضعف بكثير عما كانت عليه في الماضي . ويمكننا الآن أن نصف أنفسنا بأننا الهيكل العظمي أو النواة لذلك الحزب ، لكن أهمية حزبنا في رأيي ليست فقط في حفاظه على وجوده ، بينما تراجعت أحزاب أخرى وألغت نفسها أحياناً ، أو فُككت بعض الاحزاب من قبل اجهزة الأمن كرابطة العمل الشيوعي التي لم تستطع إلى اليوم لمّ نفسها . بل تأتي أهمية حزبنا أيضاً من تحالفه مع الأحزاب المعارضة الأخرى التي شكلت التجمع الوطني الديمقراطي عام 1979 الذي نالت أحزابه نصيبها أيضاً من القمع والعنف .وهناك تعبيرات سياسية لهذه الاحزاب المعارضة ، بما في ذلك مجموعة الرابطة أيضاً وإن لم يأخذوا شكلهم التنظيمي بعد ،لكن بتصوري المعارضة السياسية السورية ما زالت أدنى من أن تكون قادرة على تحقيق مهمات تغييرية الآن ، لكن هذا ليس مستحيلاً في حال حسنت هذه الأحزاب من سياساتها ، واهتمت بتقديم برامج صحيحة ، وتشجعت أكثر وحافظت على مبدئية طروحاتها دون أن تغفل المرونة اللازمة ، خصوصاً وأن السلطة السياسية تمر الآن بأزمة مزدوجة .
• إسمح لي بسؤال اعتراضي : ماهو قصدك بتعبير الأزمة المزدوجة ؟
• أزمة السلطة المزدوجة تعني أولا أزمتها مع المجتمع ، وهي حصيلة لسياساتها خلال أكثر من ثلاثين عاماً في مختلف مجالات الحياة ، ونتائجها تظهر في الهّوة العميقة بين الناس والسلطة ، وهي مستفحلة وتحتاج إلى حل ، ولاعلاقة للأمريكان بها لأنها نتاج سياسات داخلية ، وثانيا أزمة النظام السوري ومعه أزمة كل الحكام العرب بعد التدخل الأمريكي الفظ في احتلال العراق ، وتجوال شبحه في كل المنطقة .
• أستاذ رياض نعود إلى سؤالنا ، فأنت لم تجبني حتى الآن ماإذا كانت أحزاب المعارضة هي أحزاب حقيقية أم أنها مجرد مجموعة أشخاص ليس لها تأثير بالنسبة للناس من جهة ، وللسلطة السياسية من جهة اخرى ؟
• فيما يتعلق بتأثير هذه الأحزاب بالنسبة للناس يمكنني أن أوافقك بعض الموافقة ، لكن عليك أن تأخذ بعين الاعتبار أن النظام لم يسحق المعارضة فقط ، بل جعل المجتمع ينسحب من ممارسة السياسة ، هذا سبب موضوعي شمل كل الناس وأضعف المعارضة ، لكن برأيي إن أزمة التجمع الوطني الديمقراطي وأحزابه ، أو لنقل ضعف التجمع يأتي من أن سياساته ليست سياسة مكافحة كما يجب ، وأتمنى أن لا يعتبر كلامي هذا تطرفاً ، فالتجمع يحمل تردداته ، ويحمل أحياناً وجهات نظر غير دقيقة ، ولدي ملاحظات على التجمع أتحدث عنها باستمرار ، وتتلخص في أنه يحتاج إلى برنامج جدي ، فما طرحوه ليس برنامجاً ، مع أنه بخطوطه العريضة يطالب بالديمقراطية ، لكنه لا يستجيب لحاجات المجتمع والفئات المتضررة من النظام ، فهو كمشروع بحاجة إلى إعادة نظر .
• هل تريد القول أن أحزاب التجمع ترغب في وضع قدم في صف المعارضة وقدم مع السلطة ؟
• ليس بهذا المعنى ، أنت تعرف أن الأحزاب في الجبهات عادة ما يكون لها وجهات نظر مختلفة ، لكن هناك قاسم مشترك يجمعهم ، والقاسم المشترك بين أحزاب التجمع لا يساعد على جذب الناس ، فهو بحاجة إلى أن يرفع سقفه لجذب المعارضين أو المتململين ، أو لنقل الفئات الاجتماعية المتضررة من هذا النظام لكي تنخرط فيه أو تدعمه أو تؤيده . أما لو أردت أن تأخذ المسألة كما طرحتها أنت ، قدم هنا وقدم هناك فبرأيي هذا كلام غير دقيق لا أوافق عليه . ففكرة الحفاظ على الوجود كانت المسيطرة في ظل الأسد الاب ، بمعنى أن هذه الأحزاب كان عليها القيام بتعبيرات بسيطة لكي يقال أنها موجودة من، قبيل تسجيل موقف احتجاجي في هذه المناسبة أو تلك أو طرح كلام عام قابل للتأويل ، وفيما بعد نشأ التباس حول الموقف من عهد الرئيس بشار الأسد ، يُصلح ام لا يُصلح ؟! ولعبت السلطة وأجهزتها دوراً داخل المعارضة ، وأنا كنت قلقاً من هذا اللعب داخل المعارضة فهدفه خلق ما يمكن تسميته بالمعارضة المدجنة ، ففي الظاهر يبدي هذا الإنسان أو هذا الحزب أو هذه الفئة من الناس رأياً مخالفاً لرأي السلطة ، لكن من جهة أخرى تجد العلاقات تمشي بالسر بشكل آخر احياناً ، ولدينا داخل المعارضة في رأيي البعض الذي يحلو له أن يلعب هذه اللعبة ، إما تجنباً للضربة او حلماً "بلحسة لبن " قبل غيرهم فيما لو انفتح النظام . سأعطيك مثالاً : حديث البعض عن تقارب بيننا وبين السلطة في السياسة الخارجية ، بينما نحن مختلفون في السياسة الداخلية ، أي تقارب هذا !؟ وهل نستطيع أصلاً ان نفصل بين السياسة الداخلية والخارجية للنظام ؟ وحتى لو أردنا أن نفصل ، أي سياسة خارجية نراها اليوم للنظام ، بل حتى في عهد الرئيس السابق أي سياسة خارجية كانت ؟! التدخل السوري في لبنان ؟! الصراعات بين الانظمة العربية ؟! الصراع مع اسرائيل ؟!كل السياسات الخارجية للنظام لم تخدم حتى الأهداف التي طالما كان يتحدث عنها النظام ، وإذا استثنينا حرب تشرين من حيث هي المحاولة العربية الأولى لاسترداد أراضينا ، سياسات النظام الخارجية كانت ضارة سورياً ولبنانياً وعربياً . هناك اشكالات على الأحزاب المعارضة أن تحلها إذا كانت جادة من أجل إيجاد مخرج وطني في المرحلة الحالية يقول لا للاستبداد ويقول لا للنفوذ الامريكي القادم أو الضغوط الامريكية القادمة . والمعارضة للاسف لم تتحول حتى الآن إلى قوة ثالثة لها برنامجها الخاص لتفرض نفسها على الساحة السياسية في مواجهة الاستبداد وفي مواجهة الضغط الامريكي ايضاً.
• هل تعتبر معارضة الناس العفوية التي سبق وذكرتها متقدمة على معارضة أحزاب التجمع ؟
• تأتي أهمية معارضة الناس من كونها أكثر طهرانية هذا أولاً ، وثانياً هي تعبر بعفويتها عن معاناة يومية في أكلها وشربها وتنقلها ، قد لا يراها السياسي ، هذا المواطن المعارض هو الذي قطع كل الخيوط مع النظام ، وألغى العلاقة معه وهو ليس الأكثر طهرانية فقط ، بل الأكثر فهماً لطبيعة النظام ؟
• بأي معنى ؟
• بمعنى أن هذا النظام لا يرجى منه ، لكن المواطن غير قادر على القيام بأي فعل فيدعو الله أن يخلصه من هذا البلاء ، أو ينتظر عسى ولعل الله يفتح له باباً للفرج . أنا برأيي هذا هو حجر الزاوية في التغيير ، هذا الانسان عندما يتحرك سوف تميد الأرض تحت أقدام المتسلطين ، وسيكون للمعارضة تعبيرات أفضل للنضال ضد الاستبداد ومن أجل الديمقراطية ، وهذا المواطن المعارض لا يحركه كلام عام عن الديمقراطية .. كلام عام عن تداول السلطة .. كلام عام عن الفساد ، وإنما تحركه جملة عوامل أهمها أن يجد أن هذه السياسة مهتمة به ، تريد أن ترفع من شانه ، تزيل قلقه وخوفه ، فهو بحاجة إلى أمن وعمل ، وبحاجة لأن لايسجن إذا أبدى رأياً ، كل هذه الامور لا تتوفر لديه وإن كان يراها بعينه ، أنا برأيي هذا هو المعارض المستور .
• وما قيمتكم بالنسبة لهؤلاء الناس كاحزاب معارضة ؟
• لا أعرف .. ولا أريد أن أفصل حزبنا عن الآخرين لأننا لازلنا مقصرين في أداء دورنا كما يجب ، وبتصوري أن أهم نقطة بالنسبة لهذا المواطن المعارض في نظرته لنا هي رؤيته لعدم قدرتنا على فعل شيء ، فهو لا يعطيك ثقته لأنك أولاً غير قادر على التعبير ،وثانياً وهذه لها علاقة بمفهوم قديم لأنه يرى حتى لو استلمت أحزاب المعارضة لفعلت أرذل مما فعله النظام ، وهذا الحكم هو نتيجة لانسداد آفاق التغيير عند المواطن ، ولهذا لا يكفي أن يقول برنامج المعارضة كلاما ًمعسولاً ، بل على المعارض الذي يمثل حزباً ما أن ينتقد تجربته التي مرّ بها في زمن غير بعيد ، وكثير من سياساته الخ … لكن الذين يهتمون بالسياسة أو الفئة الاعلى من نموذج المواطن المعارض عواطفها مع المعارضة ، وأعتقد من خلال احتكاكي بأوساط شعبية كثيرة أنها تحترمنا .
• تحترمكم كأحزاب ام كأشخاص ؟
• كبشر ضحوا ،وهم يقدرون هذه التضحية .
• ألا تعتبر أن تعامل الناس معكم كأشخاص لاكأحزاب معارضة يعتبر مشكلة كبيرة ؟ كيف بإمكانكم استعادة ثقة الناس كأحزاب ؟
• المعارضة بالمستوى الذي وصلت إليه سواء كانت داخل المجتمع أو خارجه هي أقل من أن تكون لاعباً في مقابل السلطة ،أو فئات داخل السلطة تقود السياسة ، لذلك إذا أردنا أن نكون جديين في عملية التغيير السياسي ، علينا أن ندعو إلى وحدة الطيف السياسي العريض كله ، فالتجمع أو أي من أحزابه أو الحزب الشيوعي يشكل نقطة في بحر هذه المعارضة ، والطيف السياسي العريض يمكن ان يجتمع على موقف مناف للاستبداد ، وديمقراطي لإعادة بناء مؤسسات قائمة على القانون ، ولتكون معبرة عن مصالح الفئات الاجتماعية المتضررة ، والطيف السياسي ليس فقط الأحزاب بل أيضاً القوى الاجتماعية الغائبة عن لعب دورها الاجتماعي والسياسي ، خذ مثلاً :الطبقة الوسطى ، أو الإخوان المسلمين الخ.. هناك فئات هي خارج هذه العملية ، فنتيجة امتلاك السلطة للبلد وتصرفها بإقتصاده أُجبرت فئات كثيرة من الطبقة الوسطى على التعامل مع السلطة ، فأعطيت فتات المائدة أو جزءاً صغيراً من الكعكة.
السؤال المطروح الآن أمام المعارضة هو كيف يمكن أن نجري تغييراً دون أن يكون لنا حاملنا الاجتماعي ، ودون أن نعيد النظر بسياستنا فننقد سياستنا السابقة ، وننفتح على من كنا نخاصمهم باعتبارنا كلنا ضحايا استبداد ، خصوصاً حين نجد الآخرين أيضاً يحاولون إعادة النظر بسياساتهم وينفتحوا ، خذ مثلاً موضوع الاخوان المسلمين بصرف النظر عن الرأي السابق بهم ، في رأيي أنهم أفضل من النظام الآن ، وما عليهم سوى القيام بخطوتين صغيرتين ، نقد أنفسهم فيما يتعلق بالعنف الذي مارسه بعضهم أو فصيل منهم ، والإعتذار للشعب ولعائلاتهم وعائلات ضحاياهم، لو فعلوا ذلك مضافاً لطرحهم الديمقراطي برأيي أنهم لا يشكلون فقط خطوة للمساهمة في حياة البلد السياسية كمعارضين وإنما بإمكانهم أيضاً لعب دور هام في هذا الطيف السياسي العريض ، فهم أفضل من النظام الذي لا يعترف بجرائمه التي ارتكبت ، لا يعترف بالمفقودين ولا بوجود مساجين . وحدة الطيف السياسي هو أمر في غاية الأهمية ، شرط أن لا يشمل فقط سياسات أحزاب أو بقايا أحزاب، وإنما أن يهتم بالمجتمع وممثلي المجتمع ويهتم بمختلف مجالات الحياة الثقافية والنقابية وممثليها الفعليين .
• وهل برأيك توحيد الطيف السياسي العريض عملية سهلة ؟
• الوضع معقد في الظرف السياسي الحالي فأنا أخشى تحت شعارات قومية الآن وإذا زادت الضغوط الامريكية أن أرى البعض يلتحق بالنظام ، ويقول نريد الدفاع عن الوطن وينسى كل جرائم النظام ، وينسى أن النظام هو من أتى بالدب الأمريكي إلى كرمنا مثلما حدث في العراق ، لذلك على هذا الطيف السياسي العريض أن يتحول إلى قوة سياسية اجتماعية ، وأن يطرح برنامج الحد الأدنى الذي يمكن أن يكون موحداً لهذه القوى ، وأن يكون لاعباً يتابع نضاله ضد الاستبداد ، وضد احتمالات ما يمكن أن ينشأ من مضاعفات نتيجة التدخل الامريكي .وأرجو أن لاتفهمني بشكل خاطئ ، ففي حال انفتح النظام على المجتمع لن نكون سلبيين ، وإنما أنا أنطلق من قاعدة أن هذا النظام لم ينفتح حتى الآن . لكن في حال نشأت فعلاً سياسات جدية واتخذت تدابير تعيد الثقة للشعب بأن النظام من الممكن أن يتغير فعلاً ، وقد تحدثت عن مثل هذه التدابير التي يجب أن يفعلها النظام قبل أن يقول لك "مرحباً" في محاضرتي في منتدى الأتاسي عام 2001 ، وبعد ذلك إذا أعيدت الثقة ورأينا طاقما غير ملوث لا بالدم ولا بالمال الحرام ، وأحسسنا بأن هناك تغييراً فعلياً ، إذا حدثت مثل هذه الخطوات، من الممكن أن ننفتح على النظام ، أما الانفتاح الكلامي الذي مضى عليه ثلاث سنوات من الوعود والحديث عن الاصلاح فهذه برأيي "طبخة بحص ".
أنا لاأريد التعلق بالأحلام ، وأسأل ما الذي يجري على أرض الواقع ، لا شيء يحدث !! هناك مثل لدى التجار القدامى قبل أن تتأسس المصارف حين يتبايعون يقولون " قبيض بقبيض " فنحن لا نثق بوعود السلطة وعلينا جميعاً أن نستعير مع السلطة لغة هؤلاء التي تقول " قبيض بقبيض ". وفي الوضع الذي نحن فيه الآن دور السياسي المعارض هو أدنى من أن يستطيع إحداث تغيير ، وهذا تحدثت عنه في الماضي، ولا يزال يصلح الكلام فيه حول ما يسمى بتوازن الضعف ، ولا تزال المعادلة قائمة .
• تكلمت عن قيمة أحزاب المعارضة بالنسبة لحاملها الاجتماعي المواطن السوري ، لكن ما هي قيمتكم بالنسبة للسلطة ؟ هل تحسب لكم حساباً ؟ هل تعتبركم خطراً عليها ؟ هل تخافكم ؟
• لاأعرف ما إذا كان يحق لي أن أتحدث باسم الجميع ، فأنا لست ناطقاً باسمهم ، لكن من الممكن أن أتحدث عن حزبي ، أو أبدي رأياً عاماً في الموضوع .. النظام بني كمؤسسة قائمة على قوة القمع ، لا على مؤسسة الوزارة أو مجلس الشعب ولا على غيرها . العمود الفقري للنظام هو الجهاز القمعي ، واعتماد منطق القوة الذي ساد والذي مورس بمختلف أشكال الإرهاب ، والذي نتج عنه ضحايا كثيرون ، النماذج التي حكمت ، والعقلية التي سادت تخلق شعوراً لدى الناس أنه لا يوجد أحد يخيفها وتستصغر الجميع ، لكنها في داخلها تخاف الناس كثيراً وتخاف النقد العلني وتخاف تجمعات الناس ولو في منتدى صغير وتجربة السنوات الثلاث من هذه الزاوية تؤكد رأيي . وقد سمعت من أحدهم أن بعض المسؤلين حين طالبوا الرئيس بالتصدي للتحرك الديمقراطي عام 2001 قالوا له : اليوم بامكانك أن تقمعهم إذا تكلمت أما غداً فقد نحتاج لإسكاتهم إلى إنزال الدبابات . الوضع الآن تغير ، فبعد احتلال العراق وظهور منطق الدولة الأعظم التي يجول شبحها في المنطقة ، والذي أصبح يخيف الجميع ويخيف السلطة أحدث ارتباكاً ، النظام برأيي بحاجة لناس – حتى لو لم يكن لهم تأثير كبير – يسيرون في فلكه ، أو على الأقل يشتريهم بالريق الحلو كما يقولون ، أو يحيّدهم بشكل يجعل هؤلاء الناس لا يعملون ضده على الأقل . الخوف الأكبر الآن ليس منا ، إنما من هذا الشبح الذي يجول في المنطقة اليوم . لكن الحل الصحيح لمواجهة هذا الشبح هو الانفراج والانفتاح على الناس وإجراء تغيير ديمقراطي وإحداث تدابير ثقة .
• لكن التيار الديني المعارض يبدو أنه مخيف أيضاً !!
• قضية التيار الديني يجب أن ينظر إليها بشيء من التفصيل ، فهناك تيارات دينية الآن غير مسيسة لديها اتفاق جنتلمان مع السلطة ، وهو اتفاق غير مكتوب تقول السلطة من خلاله لهذه التيارات خذوا راحتكم ، اعملوا كما تريدون لكن إياكم أن تشتغلوا بالسياسة ، وهذه التيارات قبلت بهذه الصيغة ، لكن هل هم ضمناً مع النظام ؟ جزء منهم وأقصد أؤلئك الذين يعملون في قطاعات مختلفة يصبحون ، لا اريد أن أقول بالمعنى الوضيع للكلمة عملاء ، إنما يقدمون شيئاً مقابل شيء يحصلون عليه ، فكم من شخصيات أُتي بها ولُمعت صورتها لخمس أو عشر سنين وأسندت لها مناصب ، ثم مضت في طريقها . لكن هناك التيار الديني المسيس ، فعندما نتحدث نحن عن الديمقراطية يقولون غداً يأتي الاخوان ، والقوى المتدينة هي التي ستستلم السلطة .. هذا نوع من التخويف ، فالمجتمع عندما ينفتح ديمقراطياً ، ويكون النشاط السياسي مكشوفاً أمام الجميع لا يترك مجالاً للخوف ، لأن الشعب ليس جاهلاً ، فهو يعرف صالحه ، ويعرف من هي القوى التي ستعبر عنه ، وحتى لومالت الكفة لهذه الفئة فستميل لمرحلة قليلة ، وسيكون السبب هو النظام نفسه ، لأنه حرّم على القوى الديمقراطية أي عمل سياسي ، وفتح المجال أمام القوى التي لا أريد أن أصفها كلها بالظلامية ، لكن بعضها ظلامي .
ففي ظل حكم الرئيس الراحل وفي ظل سطوة بعض رجال الدين ، بعضهم وليس كلهم طبعاً ، بدأت تظهر خرافات فظيعة غاية في التخلف ، فالاستبداد هو الذي يأتي بمثل هذه الفئات وهو المسؤول عنها أصلاً . وخذ أي شخصية مهما يكن لديها مريدون في ظل نظام ديمقراطي وبوجود قوى تطرح آراء عقلانية ستجد الناس تسمع ، لكن العقلانيين الآن كلهم مزاحون ، مبعدون ، منفيون ومسجونون من كل الأطراف ، ومن الذي يتمتع بالحرية الآن ؟ الذين يرتعون هم الذين يخلقونهم ويخيفوننا منهم .
• هل من الممكن أن تتحالفوا كحزب شيوعي مع تيار الإسلام السياسي ، أو تقبلوا بوجوده على الساحة ، بكلام أوضح ما هي حدود ديمقراطيتكم ؟
• بالنسبة لي ليس لدي مانع في التحالف معهم ، لكن هذا الامر ينبغي أن يبنى على أسس سليمة ، والأساس السليم هو أن يكون لدينا على المستوى الوطني برنامج للخلاص الوطني ، برنامج ديمقراطي تقبل به كل الفئات ، فإذا قبلت الفئات المتدينة أو الاخوان المسلمون أنفسهم ، وتلاقينا على الخط أنا برأيي يجب أن ننفتح ، لكن بالنسبة لمسائل الماضي نحن ننصح بأن تنتقد هذه القوى نفسها وسياستها القديمة لكي تكون مقبولة من المجتمع، مثلاً العنف الذي مارسه تيار من الاخوان المسلمين عليه أن يعترف بالخطأ الذي ارتكبه ، رغم أن الارهابي الاول في رأيي هو السلطة . أما عنف الاخوان المسلمين فكان فعلاً مضاداً ، وهناك فرق بين الإثنين ، ومن هنا كان رفضي – عندما جرت ضغوط علينا كي نستنكر أعمال الاخوان المسلمين – الإعلان عن ذلك ، لكننا في كتاباتنا داخل الحزب كنا نعتبر ممارساتهم طريقاً للعنف لا نسير عليه ، ورفضنا لاستنكار أعمال الاخوان المسلمين كان مرده إلى انني لا أريد أن أعطي دعماً مجانياً للنظام آنذاك ، لكن الآن بعد أن ذاب الثلج وبان المرج كما يقولون صرنا في موقع هجر الاستبداد كمنهج في حياة بلدنا ، والإتجاه للديمقراطية كبديل ، وصون وطننا من التدخلات الاجنبية والإعتماد على شعبنا ، والسعي لتلبية مطامحه الاساسية في الامن والعمل والحياة الكريمة . هذه كلها أسس لكي تنفتح القوى بما فيها الاخوان المسلمون على بعضها ونطوي صفحة الماضي ونبني مجتمعاً ديمقرطياً لا يسمح للاستبداد أن يطل برأسه .
• هذه الديمقراطية التي تتحدث عنها ، والتي تقبل بالآخر ، والمستعدة للاتفاق معه على أسس مشتركة ألن تتبدل لو وصلتم الى الحكم ، خاصة وأنكم سليلو حزب شمولي ؟
• لي عتب عليك في هذا السؤال فهو يمكن أن يوجه لجماعة يوسف فيصل أو جماعة خالد بكداش وليس لنا ، فنحن لم يبق لدينا إلا هذا الاسم الذي ارتبط منذ البداية بالحرية والعدالة .
• لكنكم تربيتم في المدرسة نفسها التي خرّجت الأحزاب الشمولية الشيوعية وإن اختلفتم معها فيما بعد !
• أنت تتهمنا إتهاماً باطلاً ، ولو تابعت أزمة حزبنا منذ البداية…
• إسمح لي أن أوضح بأني لست أنا من أتهم ، أنا أنقل الاتهامات التي توجه لكم ، فالسلطة هي التي تقول أن هؤلاء المعارضين سليلو أحزاب شمولية فكيف يتحدثون بالديمقراطية الآن ؟
• نحن كفريق طرحنا مسألتين كبيرتين ، الديمقراطية داخل حزبنا قبل الانقسام ، بحيث تكون لنا هيئات لا يعينها خالد بكداش ، إنما تعينها مؤتمرات الحزب ، وأن يكون هناك دور لقواعد الحزب ، وفي نفس الوقت طرحنا مسألة أن يكون لنا حقنا كحزب في رسم سياستنا كما نراها نحن ، وأن نتحمل نحن مسؤولية رسم هذه السياسة، وهذه هي الجريمة والخطيئة الكبرى التي تصل لحد الكفر عند السوفييت ، الذين لم يكونوا يسمحون لأي من الأحزاب التابعة للمركز أن تكون سيدة نفسها في رسم خطها السياسي ، وهذا هو الاساس أو اللبنة في بناء حزبنا بعد الانقسام ، لبنة التوجه الديمقراطي ، نحن سبقنا كل القوى ، وتأتي الآن أنت لتحملني المسؤولية . لقد تغيرت مفاهيمنا ، وكنت أتمنى أن يكون هذا اللقاء قد جرى بعد المؤتمر الذي نعد له الآن ، لكي ترى كيف نفكر وكيف نعمل ، عندها كنت لن توجه لي مثل هذا السؤال . أنا لست غائباً عن الساحة السياسية ، وأنا أتكلم عن شخصي وحزبي الذي أعاد جريدته ( الرأي) إلى الصدور ، وأصبح صوته يصل إلى الفئات التي تهتم بالسياسة ، وأنا مع نقد جذرنا القديم ، أما أن نحمله الآن معنا لو وصلنا إلى السل
المزيد