وطن بالفلفل الأحمر 30 - بعد تعيين وتمديد وتجديد وانتخاب صابر فلحوط: رئيس جديد لاتحاد الصحافيين
كتبهاحكم البابا ، في 13 أيلول 2006 الساعة: 07:00 ص
لا أتصور نفسي أدخل مقر اتحاد الصحافيين السوريين بدمشق في يوم من الأيام من دون أن أجد الدكتور صابر فلحوط خلف طاولة رئاسته، فمنذ أن وعيت على الدنيا والدكتور صابر فلحوط رئيس اتحاد الصحافيين في سورية، وعندما عملت في الصحافة السورية كان الدكتور صابر فلحوط لايزال رئيساً لاتحاد الصحافيين السوريين، وبقي الدكتور صابر فلحوط في عهود التعيين وسيناريوهات الانتخابات رئيساً لاتحاد الصحافيين، تغيّر الرؤساء وتبدلت الوزارات وظهرت وجوه جديدة في القيادات القطرية والقومية، وأقيل من أقيل وتقاعد من تقاعد ولاقى وجه ربه من لاقى، وتشتت الاتحاد السوفييتي إلى دول، واختفت المنظومة الاشتراكية، وفشلت التجربة الشيوعية، وقسم أسامة بن لادن العالم إلى ماقبل ومابعد 11 أيلول، وغزت أمريكا أفغانستان والعراق، واخترع البث الفضائي والانترنيت، وظهر مرضا الايدز والسرطان، واكتشف البشر الخريطة الجينية، وحدثت ثورات وانقلابات واكتشافات، لكن الشيء الوحيد الذي لم يتغير ولم يتزحزح من مكانه، أو تزيد شعرة شائبة في رأسه، هو رئيس اتحاد الصحافيين في سورية الدكتور صابر فلحوط، الذي بقي في مكانه دلالة على الثبات، وعلامة على أن من الممكن إيقاف الزمن، ورمزاً يختصر حالة الإعلام السوري كلها، ولذلك أعتبر ظهور رئيس جديد لاتحاد الصحافيين السوريين حدثاً ليس بالنسبة للصحافيين في سورية نفسها، بل لكل الأحياء من السوريين الذين ولدوا وعاشوا في عصر الدكتور صابر فلحوط، وسيشعرون أنهم بغياب وجهه فقدوا جزئاً من حياتهم.
لست شامتاً بتغيير الدكتور صابر فلحوط، بل بالعكس ربما تكون عواطفي أقرب إلى الأسى لغيابه عن رئاسة اتحاد صحافيي سورية، ربما لأن السجناء يتعودون بمرور الوقت على وجود سجانيهم، ويتآلفون معهم إلى الحد الذين يشعرون فيه بفقدانهم عند غيابهم، وقد أكون ظالماً في توصيف العلاقة بين الصحافيين السوريين والدكتور صابر فلحوط حين أشبهها بعلاقة السجين والسجّان، لكن حتى لو مارس الدكتور فلحوط دور السجان خلال رئاسته لاتحاد الصحفيين لتاريخ يتجاوز أكثر من نصف سنوات عمره، فقد كان سجاناً لطيفاً، من الذين يعرفون أنهم مهما فعلوا لن يحصلوا على العنب أو يقتلوا الناطور في موضوع الإعلام السوري، ولمعرفته بأنه مجرد برغي صغير في آلة كبيرة، فقد قرر منذ البداية أن يحيط أسنانه بالصدأ حتى يصعب اقتلاعه من مكانه سواء بالمفكات العادية أو الكهربائية، وبهذه الطريقة حافظ على وجوده عالقاً في خشبة الاعلام السوري واتحاد صحافييه، ولأنه كان يعرف أنه مرؤوس أي رجل يجلس على كرسي وزير الإعلام، فقد كان يخرج مع الست ويدخل مع الجارية، ولديه عدة جمل يزاود بها على المزاودين حين يستضاف على شاشات الفضائيات، ويعيد ترتيبها في المقالات التي يكتبها على طريقة شهادات حسن السلوك، ويستخدم صوته الجهوري ومهارته الخطابية ليقنع سامعيه في المؤتمرات بجدتها وعدم تكرارها.
أما في علاقته بالصحافيين ومشاكلهم فطالما طبق المثل الشعبي القائل (لاتشكيلي لابكيلك)، فحين كان الصحافي يأتيه حاملاً مظلمته، يجد أمامه صدراً حنوناً يضمه إليه، ويداً حانيةً تربت على كتفه، ورئيس اتحاد صحفيين مظلوم أكثر منه ينوح لنواحه ويبكي لبكائه، ويسرّ له بهمومه، إلى الدرجة التي تشعر الصحافي في نهاية الجلسة بأن عليه أن ينهض ليضم رئيس اتحاده إلى صدره ويربت على كتفه، وبأن مظلمته ليست أكثر من نقطه في بحر مصيبة رئيس اتحاده، وليغادر مبنى اتحاد الصحافيين راضياً مرضياً، شاعراً بالطمأنينة ومن دون أن يحظى ولو بمجرد وعد لمعالجة مظلمته.
ولأني كنت أعرف مواهب الدكتور فلحوط التمثيلية، ومهاراته الأكروباتية في التنقل من التراجيدي إلى الكوميدي بخفة متدرب على المشي فوق حبل، وحذقه في تقديم اللون التراجيكوميدي دون أن يستطيع متابعه الفصل بينهما، وإدراك ماإذا كانت هذه الجملة تنتمي إلى القهقهة، وماإذا كانت الأخرى تنتمي إلى الدمعة، فقد كنت مصراً دائماً وفي كل مشكلة حريات تعترض عملي الصحافي، على أن أسمع منه موقفاً واضحاً، متجنباً الانجرار وراء أسلوبه في إلهاء محدثه بحل شبكة الكلمات المتقاطعة التي يطلق عليها تجاوزاً اسم الدكتور صابر فلحوط كي ينسى مشكلته التي جاء لمقابلته من أجلها، وكنت في كل جلسه معه أشعر أنني لا أخوض حواراً وإنما ألعب مباراة بكرة الطاولة، وماعلي إلا أن أرد الكرات، ولا أزال أذكر أنه في عام 2001 أعطاني ربما لأول مرة في حياته جواباً لاينتمي لزئبقية مواقفه لأرد به على سؤال محققي حول سبب نشري في جريدة النهار، والتي كانت قراءتها تهمة فما بالكم بالنشر فيها، حين سألني عما إذا كنت قد قرأت توجيهاً من رئيس تحرير جريدتي أو من رئيس اتحاد الصحفيين يمنعني من النشر في النهار، وعندما أجبته بلا، قال لي أن بإمكاني أن أقول هذا عن لسانه لمحققي، ولا أزال أذكر وجه محققي المحتقن وهو يسألني ثلاث مرات متتالية عما إذا كان صابر فلحوط بدون الدكتور قد قال لي ذلك، وحين كررت للمرة الثالثة النعم أقفل التحقيق في ملف النشر في النهار نهائياً معي، لكن أكثر ماأذكره لصابر فلحوط هو ماقاله في ورشة عمل أقامتها إذاعة الـ BBC عام 2004 في دمشق، وكنت أحد المشاركين فيها، ووقف الدكتور صابر فلحوط ليعيد بملء فيه خطابه التاريخي الأزلي حول الحريات التي يتمتع بها الصحافيون السوريون، وأنه وخلال ثلاثين سنة لم يكسر قلم أو يسجن صحفي، والتفت إليه بعد نهاية خطابه لأقول له في حضور ابراهيم حميدي مراسل جريدة الحياة في دمشق الخارج حديثاً من السجن حينها: إما أنك يادكتور صابر لاتعتبر ابراهيم حميدي سورياً، أو لاتعتبره صحفياً حتى تقول مثل هذا الكلام أمامنا، وعندها أخرج الدكتور صابر فلحوط من جعبته قناعه الطريف وقال لي: أنت تعرف أنني لو قلت الحقيقة لما كنت هنا، ولكانت عجلات سيارتي فارغة من الهواء، وخزانها خالٍ من البنزين، وربما يكون هذا أصدق كلام قاله الدكتور صابر فلحوط في حياته كلها!
كان من الممكن أن يفرح صحفيو سورية بإزاحة نقيبهم المزمن لو كان خلفه لديه رؤية أو على الأقل طموح في الاعلام السوري، ولكن تعيين (للتأكيد تعيين وليس انتخاباً حسب ماأوردت صحيفة سيرياستيبس في السادس من أيلول الحالي) السيد الياس مراد، الذي تعرف شاشات الفضائيات تعابير وجهه الأكثر شبهاً بلحاء الشجر، وخطابه المشتق من خشبها، سيحسن من صورة الدكتور صابر فلحوط، الذي كان على الأقل بالشو الحي الذي طالما برع في تقديمه يمنح الصحافيين السوريين متعة الضحك، حتى وإن كان على همومهم ومشاكلهم وآلامهم!
جريدة القدس العربي اللندنية 13/9/2006
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : وطن بالفلفل الأحمر | السمات:وطن بالفلفل الأحمر
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج























