القمة قبل أن تعقد

كتبهاحكم البابا ، في 17 آذار 2007 الساعة: 08:22 ص

ليس لدى المواطنين العرب أي أمل في أن القمة التي ستجمع قادة دولهم في السعودية أواخر الشهر الحالي ستختلف عن سابقاتها، سواء من حيث كونها مجرد مناسبة لمصالحات مؤقته وهشّة بين قادة بعض الدول المشاركة فيها، وبدء خلافات جديدة بين بعضهم الآخر، أو من حيث أنها لن تقدم شيئاً خارج الكلام للشعوب العربية، عبر قرارات ورقية تؤكد على وحدة أراضي العراق ومطالبة الولايات المتحدة الأمريكية بجدولة انسحاب جيشها منه (فيما المجازر الطائفية المستمرة على أرضه تزيد كل يوم من احتمالات تقسيمه، والجيش الأمريكي يضيف أعداداً جديدة إلى جنوده في العراق)، وتستجدي ماتسميه السلام العادل مع اسرائيل (في الوقت الذي لايمر فيه يوم في فلسطين، إلاّ وتقوم فيه آلة الحرب الاسرائيلية بتدمير منظم للبشر والحجر)، وتشدد على أهمية التضامن العربي (في زمن غدت فيه المجتمعات العربية القطرية وليس القومية فقط مقسمّة، فلبنان بحاجة لمبادرة عمرو موسى العربية كي لايدخل في حرب أهلية جديدة، وفلسطين احتاجت لمسعى سعودي وظّف قدسية أرض مكة لوقف الاقتتال المعيب بين فتح وحماس، والسودان يعيش مشكلة دارفور، والحبل على الجرار).
   وبالنظر إلى تجارب القمم العربية التي عقدت منذ عشرين سنة وحتى اليوم، والتي لم تقدم سوى المزيد من التنازلات العربية، بدءاً من مبادرات السلام التي يصبح فيها اتفاق كامب ديفيد نصراً قومياً إذا ماقورنت به، وصولاً إلى الغطاء العربي الرسمي الذي قدمته قمم سابقة لأمريكا وملحقاتها لضرب واحتلال بلدان عربية، فإن المواطن العربي لم يفقد الأمل فقط بمؤتمرات القمة العربية، بل أصبح يخاف من انعقاد أية قمة جديدة، لأنه يعرف بأن سقف أحلامه سيصبح أخفض، وكرامته ستغدو أقل، ومستقبله سيصير أكثر إظلاماً بعد أية قمة بالمقارنة مع ماقبلها.
   أمام ذاكرة المواطن العربي هذه عن القمم السابقة، ماالذي يمكن للقمة التي ستعقد في السعودية أن تقدمه للشعوب العربية التي تعيش حالة بلبلة وطنية وطائفية تهدد وجودها واستقلالها؟ وأي اختراق يمكن أن تحققه القمة في أي موضوع عربي سواء في العراق أو في فلسطين أو في لبنان أو في مجمل الوضع العربي غير الترقيعات الآنية وأقراص المسكنات؟ وماهي القرارات الفعلية التي ستصدر عن القمة وتغيّر شيئاً في الواقع العربي غير كليشيهات التضامن العربي، والمطالبة بالحقوق العادلة للشعب الفلسطيني، والتأكيد على دعم استقرار وسيادة العراق، والتنويه بأهمية المصالحة بين الفرقاء المختلفين على الساحة اللبنانية، وإدانة العدوان الاسرائيلي؟ وماهي الآليات التي تملكها القمة لانتاج وضع عربي مختلف عن الموجود حالياً، بوجود دول عضوة في القمة مرتبطة بتحالفات اقليمية ودولية أكثر من ارتباطها بالدول العربية الأخرى المشاركة معها في القمة؟
    ولأن الجواب على كل هذه الأسئلة لاشيء، فإن هذه القمة لن تكون مختلفة عن سابقاتها إلاّ في حجم التنازلات التي ستقدمها لمن هم سبب أزماتها منذ خمسين عاماً وحتى اليوم، بعد أن تحولت القمم العربية إلى مناسبة لشرعنة التنازلات ورفع مسؤولية التنازل عن هذا النظام أو ذاك، بتحويله إلى مسؤولية عامة، بطريقة تذكّر بمشهد إجتماع زعماء قبائل مكة غير المسلمين، واتفاقهم على انتداب رجل من كل بيت من بيوتهم لقتل الرسول محمد قبل هجرته إلى المدينة، كي لاتتحمل قبيلة واحدة مسؤولية قتله ويضيع دمه بين القبائل.
   جريدة القدس العربي اللندنية 17/3/2007

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

عفواً، التعليقات ممنوعة لهذا الإدراج