عام بصيغة الخاص

كتبهاحكم البابا ، في 3 آذار 2007 الساعة: 09:17 ص

دفعتني تجربة عام من الاغتراب الاجباري عن بلدي، لتأمل مامرّ علي من أحداث خلال هذا العام وماقبله، بهدوء وحيادية لم يكونا متاحين لي داخل بلدي، وأهم نتيجة خرجت بها من هذا التفكير الطويل هي فهم المعاني الأعمق للأناشيد الوطنية التي كنا مجبرين على حفظها صمّاً في مدارسنا بدون أن ندرك حقيقة معانيها، وكأن عامي الطويل كان بمثابة شرح كلمات بأشد الأساليب قسوةً لهذه الأناشيد، وأستطيع اليوم أن أدرك أكثر بكثير من أي وقت مضى لماذا يصر الفلسطيني على عدم مغادرة أرضه -حتى وإن كان بإمكانه ذلك- رغم أنه معرض في كل ثانية لمغادرة الأرض نهائياً، إلى عالم آخر وليس إلى بلد آخر، من دون أن يعني كلامي تعريضاً بالذين يغادرون بلادهم، أو تشكيكاً بنبل عواطفهم تجاهها، أو عدم تقدير للظروف التي أجبرتهم على مغادرتها.
   عندما غادرت سورية مكرهاً قبل عام من اليوم سعياً عن أفق أوسع لكتابتي، منيت نفسي بهامش طويل وعريض من الحرية، أتحرك فيه بقدمي عدّاء وليس بعكازات عاجز أو بحذر خبير نزع ألغام يتحرك وسط حقل مليء بها، وسرعان مااكتشفت أن المعنى الحقيقي للحرية لايمكن إدراكه بصورة كلّية في مكان لا أحد معني فيه من قريب أو بعيد بما يقال أو يكتب، ولاينظر إليه إلاّ باعتباره مساحة محبّرة في صفحة جريدة، وأن أهمية أية كتابة تأتي أولاً وأخيراً من المحيط المهتم بها ويشعر بأنها تعنيه وتخاطبه، ثم تأتي في الدرجة الثانية الأساليب والصياغات، واكتشفت أن أهم وأجرأ ماكتبته كان قبل هذا العام عندما كنت في بلدي، لأني كنت أشعر دائماً أن الأرض التي أقف عليها هي أصلب أرض في العالم، ولايستطيع أحد أن يسلبني حق الوقوف عليها، أو يقرر في أية لحظة ولأي سبب كان -أو حتى بدون سبب- أنني لم أعد مرغوباً فيه عليها، واكتشفت أن كل ماكتبته خلال هذا العام من الاغتراب القسري، لم يكن إلاّ تنويعات على كتابتي في سورية، وكأني كنت أقوم بإجراء نسخ فوتوكوبية لمقالات سابقة لاأكثر، ولهذه الأسباب كلها التزمت بإرادتي الواعية بالسقف الذي حددته لكتابتي وطالما حاولت رفعه في بلدي، ولم يخطر لي في لحظة من اللحظات أن أحاول رفعه بعيداً عنها، لأنني طالما اعتبرت أن شجاعة رفع سقف حرية التعبير لأي كاتب هو في بلده وليس خارجها، حيث الأمر متاح وسهل وليس فيه أية مجازفة.
    وحتى لا أنظر إلى تجربة هذا العام بعين واحدة، ويعميني حنيني الجارف إلى بلدي عن رؤية ماتعلمته في هذا الاغتراب القسري، فأقيّمه باعتباره شرّاً كلياً ومطلقاً، يتوجب علي الاعتراف بأني كتابتي أخذت شيئاً فشيئاً ومقالة بعد أخرى شكل الكتابة الهادئة، بعد أن كانت أقرب إلى صراخ رجل أقفلت على إصبعه درفتي باب، وأتيحت لي رؤية الأشياء بشكل أوسع أقل تشنجاً وأكثر حياداً، بعد أن كانت أشبه برؤية رجل يقف على رؤوس أصابعه ويجهد ليطل من فوق جدار عالٍ، فلايستطيع تبين إلاّ جزء من المشهد وليس المشهد بكامله.
    أخيراً أستطيع أن أفهم مبررات أي كان لاستبدال بلده بفرصة عمل أو راتب مغرٍ أو كمامة أوكسجين أو مقالة أسبوعية، ولكن بالنسبة لي على الأقل أنا الذي أعتقد بأن الحياة أعزّ من أن تهدر من أجل الحصول على أيٍ من تلك المبررات، أرى بأن الأوطان التي تجد فيها من يفهمك ويصغي لحديثك ويضحك لنكتتك وحتى من يتشاجر معك، هي التي تعطي لكل هذه المبررات المهمة معناها ومذاقها.
جريدة القدس العربي اللندنية 3/3/2007

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

عفواً، التعليقات ممنوعة لهذا الإدراج