وطن بالفلفل الأحمر 32- جبهة الجزيرة التلفزيونية لتحرير أفغانستان والعراق وفلسطين وإعادة فتح الأندلس!

كتبهاحكم البابا ، في 30 تشرين الأول 2006 الساعة: 07:00 ص

    لو طلب من تلميذ مدرسة ابتدائية عربية منذ عشر سنوات أن يجيب على سؤال امتحاني في مادة الجغرافيا عن أهم قناة في الأرض العربية، فإني أجزم بأنه لن يتذكر قناة السويس، وسيقول بكل ثقة انها قناة الجزيرة!
    ولو سئل أي طالب عربي في امتحان مادة التربية القومية للمرحلة الاعدادية منذ عشر سنوات عن الكيان الهجين الذي زرع في قلب الوطن العربي، فأكاد أكون متيقناً انه سيذكر قناة الجزيرة وينسى اسرائيل!
    ولو كان المتنبي لايزال على قيد الحياة قبل عشر سنوات، لمنعه حياؤه من قول بيت شعره الشهير (الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم) بوجود قناة الجزيرة(!!)
    شكّل ظهور قناة الجزيرة التلفزيونية قبل عشر سنوات حدثاً استثنائياً عربياً، فقد اعتبرتها الأنظمة العربية اختراقاً للجسد العربي، وجيشّت من أجل الرد عليها إعلامياً وسياسياً ودبلوماسياً، مالم تجيشه لمواجهة اسرائيل عبر تاريخ الصراع العربي الصهيوني كله، لأنها اعتبرت أن الحرية الاعلامية للجزيرة أخطر على عروشها وكراسيها من جيش الدفاع الاسرائيلي وقوات المارينز الأمريكية والحرس الثوري الايراني مجتمعين، وكانت المهمة الوحيدة لأي سفير عربي يرسل إلى قطر لتمثيل دولته، هي الجلوس أمام شاشة التلفزيون لمراقبة قناة الجزيرة، وكتابة التقارير ببرامجها إلى دولته، والشكاوي على هذه البرامج إلى وزارة الخارجية القطرية وإدارة قناة الجزيرة، إلى الحد الذي كان يمكن فيه استبدال اسم أي سفارة عربية في قطر بالمكتب المصري أو السوري أو التونسي أو المغربي للشكاوى على قناة الجزيرة، وكان التوجيهات الوحيدة التي يزود بهما السفراء العرب قبل سفرهم إلى الدوحة من قبل وزارات خارجيتهم، ليس تطوير العلاقات الدبلوماسية، أو تحسين التبادل التجاري، أو إغراء رؤوس الأموال القطرية للاستثمار في بلدانهم، وإنما الحرص والتأكد من عدم وجود ريمونت كونترول لتبديل القنوات التلفزيونية في مبنى السفارة أو منزل السفير، قد يغريهم بالانتقال لمشاهدة قناة أخرى غير الجزيرة، فينشغلون عن مهماتهم التي أرسلو لأجلها، وجهوزية حقائب سفرهم استعداداً لسحبهم عقب إذاعة أي خبر أو بعد عرض أي برنامج، إلى الحد الذي يجعل أي سفير عربي يجيب كل صباح على تساؤل زوجته التقليدي عن نوع الطعام الذي يفضل تناوله على الغداء، بـأنه لايستطيع أن يجزم ماإذا كان سيتناول غداؤه في منزله في الدوحة، أم في الطائرة التي ستعيده إلى عاصمة بلده مسحوباً من قبل وزارة خارجيته، فذلك متوقف على أخبار وبرامج قناة الجزيرة، وكان مقدمو برامجها أمثال فيصل القاسم أو أحمد منصور أو سامي حداد مؤثرين في العلاقات الدبلوماسية العربية أكثر من عمرو موسى أمين عام جامعة الدول العربية، وكل وزراء الخارجية العرب مجتمعين.
   وعلى عكس حالة التشنج التي كانت قناة الجزيرة سبباً في جعل الحكام العرب يعيشون على أعصابهم قبل كل نشرة أخبار تبثها، أو برنامج تقدمه، كان المواطنون العرب ينظرون إلى قناة الجزيرة باعتبارها فرع مخابرات للتحقيق مع حكامهم والتشهير بهم أمام ثلاثمائة مليون عربي وعلى الهواء مباشرة، وكان أي مواطن عربي يتعرض لقهر سلطوي، أو لإذلال حكومي يذهب من فوره إلى جهاز تلفزيونه ليشاهد قناة الجزيرة التي تنتقم لكرامته المهدورة على مدار الساعة، فتعرض عملاً وثائقياً عن السجون في بلده، أو تقدم برنامجاً عن استبداد سلطته، أو تذيع خبراً عن فساد حكومته فيشعر بالرضا، ويحمد ربه على أنه أبقاه على قيد الحياة إلى اليوم الذي ظهرت فيه قناة الجزيرة لتنتقم ولو إعلامياً من ظالميه، ويتحسر على أقاربه الموتى متمنياً لو عاشوا إلى يومه ليشاهدوا اقتصاصها من حكامه.
    قضت قناة الجزيرة أكثر من نصف عمرها الذي تحتفل هذه الأيام بسنواته العشر، باعتبارها سنداً للمواطن العربي المقهور، وبغض النظر عن دوافعها وأهداف ممويليها ومرامي الجهة التي تقف وراء سياستها، فقد أحدثت حالة من الحرية في الشارع العربي، إلى الحد الذي يمكن تقسيم عصر الاستبداد العربي الحديث إلى مرحلتين واضحتين، ماقبل ومابعد قناة الجزيرة، واستطاعت رغم محيط الغضب العربي عليها، أن تخلق نوعاً من العدوى ولو الخفيفة في الاعلام العربي، بحيث أصبح إعلام الأنظمة العربية الرسمي يحسب ألف حساب بوجود الجزيرة فيما لو أراد أن يتكتم على خبر أو يخفي حادثة أو يتجاهل رأياً، لكن بما أن الحلو مايكملش على حد قول اخوتنا المصريين، فقد تحولت قناة الجزيرة منذ أحداث 11 أيلول من محطة تلفزيونية إلى جبهة حرب، وعلى الرغم من مهنيتها الاعلامية إلاّ أن المتابع لبرامجها لايعوزه كثير من الذكاء لاكتشاف أنها ألغت الفوارق بين السبق الصحفي وبين المصدر الاعلامي، بحيث تحولت إلى مايشبه الموقع الرسمي لبث رسائل الشيخ أسامة بن لادن والدكتور أيمن الظواري الإذاعية والتلفزيونية، والجهة الأكثر احتفاء وعرضاً للرسائل المصورة عن عمليات التفجير التي تقوم بها التنظيمات العسكرية في العراق، وغاب الخطاب المتنور الحرياتي (من الحرية) الذي كان أهم ماجذب المشاهد العربي إلى شاشتها، لصالح خطاب ديني قومي متشدد، هو في جوهره إعادة إنتاج لخطاب الأنظمة العربية الاستبدادية التي بنت سلطاتها وأطالت أعمارها باستخدام شعارات مقاومة الاستعمار ومحاربة الامبريالية الأمريكية وتحرير فلسطين، وكل مافعلته على أرض الواقع هو السماح لاسرائيل بالتوسع، وقمع شعوبها ونهب ثرواته، ومهما كانت التبريرات التي قد تجدها قناة الجزيرة لنفسها باعتبارها إعلاماً شعبوياً، يريد ارضاء جمهور عريض من العرب، يرى أنه يعيش مرحلة جهادية متأججه في مواجهة أعداء يستهدفون وجوده، فإن عليها ألاّ تتجاوز الخط الفاصل الذي يحولها من قناة الجزيرة التلفزيونية الفضائية، إلى جبهة الجزيرة التلفزيونية لتحرير أفغانستان والعراق وفلسطين وإعادة فتح الأندلس، فما تفعله اليوم سواء بإرادة سياسية مقصودة، أو بدفع من الانتماءات الحزبية للعاملين فيها، يحولها إلى صياغة تلفزيونية لخطاب أحمد سعيد الاذاعي، ويجعلها إحدى القنوات التلفزيونية الرسمية العربية لا أكثر.
    في بدايات إطلاق قناة الجزيرة كان الرسميون العرب يكرهونها لكنهم ينتظرون برعب نشراتها وبرامجها ويحرصون على مشاهدتها، أما اليوم فالكل يحبون الجزيرة، لكنهم يفوتون كثيراً من أخبارها وبرامجها، ليس لأنهم لم يعودوا يخشونها فقط، وإنما لأنهم يعتبرون أنفسهم مشاركين في تحريرها وإعدادها، وفي حال استمرارها بهذه السياسة لن أستغرب في وقت قريب مشاهدة نشرات أخبار الجزيرة تبدأ بأخبار الزعماء العرب وهم يستقبلون ويودعون ضيوفهم ويبحثون معهم الأمور الثنائية التي تهم البلدين الشقيقين!

     جريدة القدس العربي اللندنية 30/10/2006
 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : وطن بالفلفل الأحمر | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

عفواً، التعليقات ممنوعة لهذا الإدراج