سأهنئ نفسي أولاً ومواطني الدول العربية ثانياً بأن حلم الوحدة العربية -الذي طرحته معظم الانقلابات العسكرية التي حدثت في العالم العربي تحت شعارات قومية وأطلقت على حركاتها الانقلابية مسميات ثورية- لم يتحقق، وبأن كل محاولات التقارب بين الدول العربية باءت بالفشل، وفرحي بحالات انهيار كل محاولات التوادد بين الأنظمة العربية الحاكمة لايعود بالتأكيد إلى دوافع استعمارية، ولا لأني أحد أفراد الطابور الخامس لاسمح الله، وإنما لأني طالما رأيت في حلم الوحدة العربية بالشكل الذي طرحته كل الانقلابات العسكرية الثورية العربية (التي صادرت ماكان متاحاً من بقايا حرية في الأنظمة التي انقلبت عليها) دولة شمولية كبيرة مغلقة بإعلام عقائدي مسيس، تلفزيونه يستبدل الخبر بالخطاب ويسيّس المعلومة، وسينماه تستبدل جماليات الفنون السبعة بدروس التربية العقائدية، وتحوّل المجتمع العربي إلى مجموعة من الكلخوزات والسوفخوزات، صورته الاعلامية الوحيدة هي الفلاح يحب الجرار أكثر مما يحب حبيبته أو زوجته، والعامل يفضّل رائحة عرقه على عطر أكوا دي جيو، وكل ماعلى الأرض من المحيط إلى الخليج يلهج باسم وفضل الزعيم الملهم الأمين العام قائد الثورة الذي تحتاج قراءة الصفات التي تميزه، والوظائف التي يشغلها، والمهام الملقاة على عاتقه، والانجازات التي قام بها إلى نصف ساعة على الأقل من زمن أية نشرة أخبار تلفزيونية وعلى لسان أسرع مذيع في العالم، ولهذا السبب فأنا أعتبر الخلافات العربية العربية التي لاتتوقف بل تزداد وتتنوع تعود إلى رحمة إلهية بشعوب هذه المنطقة من العالم، إذ بفضلها -ولأن أغلب إن لم أقل كل القنوات التلفزيونية العربية رسمية أو شبه رسمية، ممولة علناً أو سراً من هذه الدولة أو تلك- يستطيع المشاهد العربي أن يسمع رأياً آخر وفكراً مختلفاً ووجهات نظر متباينة، وإن كانت كلها رسمية ومسيسة وعقائدية بمستويات متفاوته، وبشيء من المحاكمة الذهنية وعبر انتقال سريع بين العربية والجزيرة وأخبار المستقبل والـ LBC اليوم يمكن لمشاهد متوسط الذكاء أن يفهم أي حدث كما حدث وليس رؤية هذه الدولة أو تلك الجهة لكيفية وأسباب وأهداف ومغزى حدوثه.
ولد التلفزيون العربي من بطن الأنظمة العربية في ستينيات القرن الماضي، وعومل دائماً باعتباره بوقها وصوتها، ورغم الثورة المرعبة التي شهدتها وسائل الاتصال الجماهيرية بشكل عام والبث التلفزيوني الفضائي بشكل خاص بدءاً من تسعينيات القرن الماضي، والتطور النوعي الهائل الذي حدث عالمياً في مجال الحريات وحقوق الانسان عالمياً مع وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي أقوى قلاع القمع العقائدي في العالم ومنظومته الاشتراكية، والذي ساهمت فيه الصورة التلفزيونية الغربية بشكل كبير، رغم كل هذه الأحداث الكبرى علمياً وعالمياً لايزال التلفزيون العربي حتى اليوم يعتبر صوت سيده وبوق نظامه ولذلك نرى أن أحد أهم الأهداف التي يضعها قادة أي انقلاب في العالم العربي أمام أعينهم خلال تحضيرهم لانقلابهم الاستيلاء على مبنى التلفزيون، وحتى في أفضل حالاته حرية وانفتاحاً، بغض النظر عن شعارات الرأي والرأي الآخر والاستقلالية والموضوعية التي نراها تظهر على العديد من شاشات المحطات التلفزيونية العربية، لايزال الاستخدام السياسي العقائدي للتلفزيون يأتي في قائمة أهداف انشاء أية محطة تلفزيونية عربية، رسمية أو شبه رسمية، وحتى قبل التفكير في جدواها الاقتصادية أو ربحيتها.
لكن هذا الاستخدام الأيدلوجي العقائدي للتلفزيون العربي اختلف دائماً باختلاف النظام السياسي الذي يحكم الدولة أو الجهة التي تتبع لها المحطة، فالمباشرية والعقائدية المغلقة والصارمة لخطاب تلفزيونات مصر عبد الناصر والعراق صدام حسين فيما مامضى، والتلفزيون السوري والليبي وقناة المنار اللبنانية حالياً يختلف عن خطاب باقي المحطات العربية التي تقتصر محرماتها على الأنظمة والأسر الحاكمة، بدون أن يمتد إلى مختلف نواحي الحياة التي تطالها التربية العقائدية وتحكمها النظريات الثورية للأنظمة ذات التوجهات الايديولوجية الثورية ال
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ